• ×

بَابُ : أَخْلاقِ الْمُقْرِئِ إِذَا جَلَسَ يُقْرِئُ لِوَجْهِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط

مَاذَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَخَلَّقَ بِهِ:
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللهُ : يَنْبَغِي لِمَنْ عَلَّمَهُ اللهُ تَعَالَى كِتَابَهُ ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْلِسَ فِي الْمَسْجِدِ يُقْرِيءَ الْقُرْآنَ للهِ تَعَالَى ، يَغْتَنِمَ قَوْلَ النَّبيِّ صّلَّى اللهُ علَيْهِ وَسَلَّمَ « خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ » ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَ مِنْ الأَخْلاقِ الشَّرِيفَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى فَضْلِهِ وَصِدْقِهِ ، وَهُوَ أَنْ يَتَوَاضَعَ فِي نَفْسِهِ إِذَا جَلَسَ فِي مَجْلِسِهِ ، وَلا يَتَعَاظَمُ فِي نَفْسِهِ .
وَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ فِي مَجْلِسِهِ لِقَوْلِ النَّبيِّ صّلَّى اللهُ علَيْهِ وَسَلَّمَ « أَفْضَلُ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ »(1) .

وَيَتَوَاضَعُ لِمَنْ يُلَقِّنُهُ الْقُرْآنَ ، وَيُقْبِلُ عَلَيْهِ إِقْبَالاً جَمِيلاً ، وَيَنْبَغِي لَهُ أَنِ يَسْتَعْمِلَ مَعَ كُلِّ إِنْسَانٍ يُلَقِّنُهُ مَا يَصْلُحُ لِمِثْلِهِ . إِذَا كَانَ يَتَلَقَّنُ عَلَيْهِ الصَّغِيرُ ، وَالْكَبِيرُ ، وَالْحَدَثُ ، وَالْغَنِيُ ، وَالْفَقِيرُ . فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُوفِي كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ ، وَيَعْتَقِدَ الإِنْصَافَ إِنْ كَانَ يُرِيدُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِتَلْقِينِهِ الْقُرْآنَ . فَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرْفِقَ بِالْغَنِى ، وَيَخْرِقَ عَلَى الْفَقِيرِ ، فَإِنْ فَعَلَ هَذَا ، فَقَدْ جَارَ فِي فِعْلِهِ ، فَحُكْمُهُ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمَا .
ثُمَّ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَحْذَرَ عَلَى نَفْسِهِ التَّوَاضُعَ لِلْغَنِي ، وَالتَّكَبُّرَ عَلَى الْفَقِيرِ ، بَلْ يَكُونُ مُتَوَاضِعَاً لِلْفَقِيرِ ، مُقَرِّبَاً لِمَجْلِسِهِ ، مُتَعَطِّفَاً عَلَيْهِ ، يَتَحَبَّبُ إِلَى الله بِذَلِكَ .

__________
(1) ضَعِيفٌ جِدَّاً . أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ « الزُّهْدُ »( ص295) ، والْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ (1070. بُغْيَةُ الْحَارِثِ) ، وَابْنُ سَعْدٍ « الطَّبَقَاتُ »(5/370) ، وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (675) ، وَالطَّبَرِيُّ =
= « تَهْذِيبُ الآثَارِ »(776) ، وَابْنُ عَدِيٍّ « الْكَامِلُ »(7/106) ، والْحَاكِمُ (4/301) ، وَالْقُضَاعِيُّ « مُسْنَدُ الشِّهَابِ »(1020) ، وَالْخَطِيبُ « الْجَامِعُ لأَخْلاقِ الرَّاوِي »(2/61) ، وَالسَّمْعَانِيُّ « أَدَبُ الإِمْلاءِ »( ص44) مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ : عَهِدْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَهُوَ عَلَيْنَا عَامِلٌ بِالْمَدِينَةِ ، وَهُوَ شَابٌ غَلِيظُ الْبُضْعَةِ مُمْتَلِىءُ الْجَسْمِ ، فَذَكَرَ حَدِيثَاً طَوِيلاً ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : أَعِدْ عَلِيَّ حَدِيثَاً كُنْتَ حَدَّثْتَنِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فَقَالَ ابْنُ كَعْبٍ حَدَّثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : « إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شَرَفَاً ، وَإِنَّ أَشْرَفَ الْمَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ » .
قُلْتُ : وَإِسْنَادُهُ وَاهٍ بِمَرَّةٍ . آفَتُهُ هِشَامُ بْنُ زِيَادٍ أبُو الْمِقْدَامِ البصرِيُّ . قَالَ أَحْمَدُ : ضَعِيفٌ . وَقَالَ مَرَّةً : لَيْسَ بِثِقَةٍ . وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ الْجُنَيْدِ وَالأَزْدَيُّ : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ .

(45) حَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْجَرَّاحِ الأذَنِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الدَّقِيقِيُّ قَالا : ثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ أَنَا أبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ « وَلا تُصَعِرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ »( لُقْمَانُ 18) قَالَ : يَكُونُ الْغَنِيُ وَالْفَقِيرُ عِنْدَكَ فِي الْعِلْمِ سَوَاء .

(46) حَدَّثَنَا ابْنُ أبِي دَاوُدَ ثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ الْعَسْكَرِيُّ ثَنَا شَبَابَةُ يَعْنِي ابْنَ سَوَّارٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِ الله عَزَّ وَجَلَّ « وَلا تُصَعِرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ »( لُقْمَانُ 18) قَالَ : يَكُونُ الْغَنِيُ وَالْفَقِيرُ عِنْدَكَ فِي الْعِلْمِ سَوَاء .

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ : ويتأوَّلُ فِيهِ مَا أَدَّبَ اللهُ عزَّ وَجَلّ بِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ أَمَرَهُ أَنْ يُقَرِّبَ الْفُقَرَاءَ ، وَلا تَعْدُ عَيْنَاهُ عَنْهُمْ ، إِذْ كَانَ قَوْمٌ أَرَادِوا الدُّنْيَا ، فَأَحَبُّوا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُدْنِي مِنْهُمْ مَجْلِسَهُمْ ، وَأَنْ يَرْفَعَهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ الْفُقَرَاءِ ، فَأَجَابَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَا سَألُوا ، لا لأَنَّهُ أَرَادَ الدُّنْيَا ، وَلَكِنَّهُ يَتَأَلَفُهُمْ عَلَى الإِسْلامِ ، فَأَرْشَدَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَشْرَفِ الأَخْلاقِ عِنْدَهُ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُقَرِّبَ الْفُقَرَاءَ ، وَيَنْبَسِطَ إِلَيْهِمْ ، وَيَصْبِرَ عَلَيْهِمْ ، وَأَنْ يُبَاعِدَ الأَغْنِيَاءَ الَّذِينَ يَمِيلُونَ إلَى الدُّنْيَا ، فَفَعَلَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَهَذَا أَصْلٌ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ جَمِيعُ مَنْ جَلَسَ يُعَلِّمُ الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ ، يتأدبُ بهِ ، وَيُلْزِمُ نَفْسَهُ ذَلِكَ ، إِنْ كَانَ يُرِيدُ اللهَ تَعَالَى بِذَلِكَ .
فَأَنَا أَذْكُرُ مَا فِيهِ ، لِيَكُونَ النَّاظِرُ فِي كِتَابِنَا فَقِيهَاً بِمَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللهِ عزَّ وَجَلّ ، يُقْرِئُ للهِ عزَّ وَجَلَّ ، وَيَقْتَضِي ثَوَابَهُ مِنَ اللهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ ، لا مِنْ الْمَخْلُوقِينَ .

(47) حَدَّثَنَا أبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ ثَنَا أَسْبَاطُ عَنْ السُّدِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الأَزْدِيِّ وَكَانَ قَارِئَ الأَزْدِ عَنْ أَبِي الْكَنُودِ عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِ فِي قَوْلِ اللهِ « وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ » إِلَى قَوْلِهِ « فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ »( الأنْعَامُ 6/52) ؛ قَالَ : جَاءَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ وَعُيَيْنَةَ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيُّ ، فَوَجَدُوا رَسُولَ اللهِ مَعَ صُهَيْبٍ وَبِلالٍ وَعَمَّارِ وَخَبَّابٍ فِي أُنَاسٍ مِنْ الضُّعَفَاءِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالا : إِنَا نُرِيدُ أَنْ تَجْعَلَ لَنَا مِنْكَ مَجْلِسَاً تَعْرِفُ لَنَا بِهِ الْعَرَبُ ، نَأْتِيكَ فَنَسْتَحِيى أَنْ تَرَانَا الْعَرَبُ مَعْ هَذِهِ الأَعْبُدِ ، فَإِذَا نَحْنُ جَئْنَاكَ فَنَحْهِمْ عَنَّا ، أَوْ كَمَا قَالا ، فَإِذَا نَحْنُ فَرَغْنَا فَاقْعُدْ مَعَهُمْ إِنْ شِئْتَ ، فَقَالَ : نَعَمْ ، فَقَالا : فَاكْتُبْ لَنَا عَلَيْكَ كِتَابَاً ، قَالَ : فَدَعَا بِالصَّحِيفَةٍ ، وَدَعَا عَلِيَّاً رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِيَكْتُبَ ، وَنَحْنُ قُعُودٌ فِي نَاحِيَةٍ ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ ، فَقَالَ « وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ »( الأنْعَامُ 6/52) ، ثُمَّ ذَكَرَ الأَقْرَعَ وَعُيَيْنَةَ ، فَقَالَ « وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ »( الأنْعَامُ 6/53) ، ثُمَّ قَالَ « وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ »( الأنْعَامُ 6/54) ، قَالَ : فَدَنَوْنَا مِنْهُ حَتَّى وَضَعْنَا رُكْبَتَنَا عَلَى رُكْبَتِهِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ مَعَنَا ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ قَامَ ، وَتَرَكَنَا ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ « وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا »( الْكَهْفُ 18/28) يَقُولُ : تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ وَتُجَالِسُ الأَشْرَافَ « وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا » يَعْنِي عُيَيْنَةَ وَالأَقْرَعَ ، « وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطَاً »( الْكَهْفُ 18/28) ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلَ الرَّجُلَيْنِ وَمَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، قَالَ : فَكُنَّا نَقْعُدُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا بَلَغْنَا السَّاعَةَ الَّتِي يَقُومُ فِيهَا قُمْنَا ، وَتَرَكْنَاهُ حَتَّى يَقُومَ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللهُ : أَحَقًُّ النَّاسِ بِاسْتِعْمَالِ هَذَا بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلُ الْقُرْآنِ ، إِذَا جَلَسُوا لِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ ، يُرِيدُونَ بِهِ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ .

(48) حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ مَوْهَبٍ الرَّمْلِيُّ ثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ عَنْ هَارُونَ بْنِ أَبِي وَكِيعٍ قَالَ : سَمِعْتُ زَاذَانَ أَبَا عُمَرَ يَقُولُ : دَخَلْتُ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَوَجَدْتُ أَصْحَابِ الْخَزِّ وَالْيَمَنِيَّةِ قَدْ سَبَقُونِي إِلَى الْمَجْلِسِ ، فَنَادَيْتُهُ : يَا عَبْدَ اللهِ ؛ مِنْ أَجْلِ أَنِّي رَجُلٌ أَعْمَي أَدْنَيْتَ هَؤلاءِ وَأَقْصَيْتَنِي ، فَقَالَ : ادْنُهُ ، فَدَنَوْتُ ، حَتَّى مَا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ جَلِيسٌ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللهُ : وَأُحِبُّ لَهُ إِذَا جَاءهُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِ ، مِنْ صَغِيرٍ أَوْ حَدَثٍ أَوْ كَبِيرٍ ؛ أَنْ يَعْتَبِرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ، قَبْلَ أَنْ يُلَقِّنَهُ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، يَعْتَبِرُهُ بِأَنْ يَعْرِفَ مَا مَعَهُ مِنَ الْحَمْدِ ، إِلَى مِقْدَارِ رُبُعٍ ، سُبْعٍ ، أَوْ أَكْثَرَ مِمَّا يُؤَدِّي بِهِ صَلاتَهُ ، وَيَصْلُحُ أَنْ يَؤُمَّ بِهِ فِي الصَّلَوَاتِ إِذَا احْتِيجَ إِلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُهُ ، وَكَانَ تَعَلَّمَهُ فِي الْكُتَّابِ ؛ أَصْلَحَ مِنْ لِسَانِهِ ، وَقَوَّمَهُ ، حَتَّى يَصْلُحَ أَنْ يُؤَدِّي فَرَائِضَهُ ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ فَيُلَقِّنُهُ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
وَأُحِبُّ لِمَنْ يُلَقِّنُ إِذَا قُرِئَ عَلَيْهِ أَنْ يُحْسِنَ الاسْتِمَاعَ إِلَى مَنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ ، وَلا يَشْتَغِلَ عَنْهُ بِحَدِيثٍ وَلا غَيْرِهِ ، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ مَنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ ، وَكَذَا يَنْتَفِعُ هُوَ أَيْضَاً ، وَيَتَدَبَّرَ مَا يَسْمَعُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَرَبُّمَا كَانَ سَمَاعُهُ لِلْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِهِ لَهُ فِيهِ زِيَادَةُ مَنْفَعَةٍ ، وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ، وَيَتَأَوَّلَ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ « وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون »( الأعْرَافُ 7/204) .
فَإِذَا لَمْ يَتَحَدَّثْ مَعَ غَيْرِهِ ، وَأَنْصَتَ إِلَيْهِ أَدْرَكَتُهُ الرَّحْمَةُ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ ، وَكَانَ أَنْفَعَ لِلْقَارِئِ عَلَيْهِ . وَقَدْ قَالَ النَّبيُّ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ « اقْرَأْ عَلِيَّ » ، قَالَ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللهِ : أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزَلَ ؟ ، قَالَ : « إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِيِ » .
(49) حَدَّثَنَا الْفِرْيَابِيُّ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْبَلْخِيُّ قَالَ : أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمَبَارَكِ قَالَ : أَنَا سُفْيَانُ عَنْ سُلَيْمَانَ يَعْنِي الأَعْمَشَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَبِيدَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « اقْرَأْ عَلِيَّ » ، فَقُلْتُ : أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكُ أُنْزَلَ ! ، قَالَ : « إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِيِ » ، قَالَ : فَافْتَتَحْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ ، فَلَمَّا بَلَغْتُ « فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدَاً »( النِّسَاءُ 4/41) ، قَالَ : فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَذْرِفَانِ ، فَقَالَ لِي : « حَسْبُكَ » .

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ : وَأُحِبُّ لِمَنْ كَانَ يُقْرِئُ أَنْ لا يَدْرُسَ عَلَيْهِ وَقْتَ الدَّرْسِ إِلا وَاحِدٌ ، وَلا يَكُونَ ثَانٍ مَعَهُ ، فَهُوَ أَنْفَعُ لِلْجَمِيعِ ، وَأَمَّا التَّلْقِينُ فَلا بَأْسَ أَنْ يُلَقِّنَ الْجَمَاعَةَ .
وَيَنْبَغِي لِمَنْ قُرِئَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ ، فَأَخْطَأَ فِيهِ الْقَارِئُ ، أَوْ غَلَطَ ؛ أَنْ لا يُعَنِّفَهُ ، وَأَنْ يَرْفِقَ بِهِ ، وَلا يَجْفُو عَلَيْهِ ، وَيَصْبِرَ عَلَيْهِ ، فَإِنِّي لا آمَنُ أَنْ يَجْفُو عَلَيْهِ فَيَنْفِرَ عَنْهُ ، وَبِالْحَرِيِّ أَنْ لا يَعُودَ إِلَى الْمَسْجِدِ ، وَقَدْ رُوِي عَنْ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : « عَلِّمُوا وَلا تُعَنِّفُوا ، فَإِنَّ الْمُعَلِّمَ خَيْرٌ مِنْ الْمُعَنِّفِ » ، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « إِنَّمَا بُعْثِتُمِ مُيَسِّرِينَ ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ » .
(50) حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ شُعَيْبٍ الْبَلْخِيُّ قَالَ : ثَنَا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ ح وثَنَا عُمَرُ بْنُ أَيُّوبَ السَّقَطِيُّ ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ قَالا : ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : « عَلِّمُوا وَلا تُعَنِّفُوا ، فَإِنَّ الْمُعَلِّمَ خَيْرٌ مِنْ الْمُعَنِّفِ »(1) .
__________
(1) مُنْكَرٌ . وَأَخْرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ (2536) ، وَالْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ (43. بُغْيَةُ الْحَارِثِ ) ،
وَابْنُ عَدِيٍّ « الْكَامِلُ »(2/274) ، وَالْبَيْهَقِيُّ « شُعُبُ الإِيْمَانِ »(2/276/1749) جَمِيعَاً مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ أَبِي سُوَيْدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ به .
قُلْتُ : وَهَذَا إِسْنَادٌ ضَعِيفٌ جَدَّاً . حُمَيْدُ بْنُ أَبِي سُوَيْدٍ ، وَيُقَالُ ابْنُ أَبِي حُمَيْدٍ ، مَكِّيٌّ عَامَّةُ= =رِوَايَاتِهَا عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مَنَاكِيرٌ لا يُتَابَعُ عَلَيْهَا ، قَالَهُ أبُو أحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ . وَلا يَبْعُدْ أَنْ تَكُونَ النَّكَارَةُ مِنْ قِبَلِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشِ أبِي عُتْبَةَ الْحِمْصِيِّ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ الْمَكِّيِّينَ وَالْحِجَازِيِّينَ .

(51) قَالَ : حَدَّثَنَا أبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ أَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي التَّيَاحِ قَالَ : سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : « يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا ، وَسَكِّنُوا وَلا تُنَفِّرُوا » .

(52) أَخْبَرَنَا أبُو عَبْدِ اللهِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصُّوفِيُّ قَالَ : ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكَّارِ ثَنَا عَنْبَسَةُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ الْبَجَلِيِّ قَالَ : قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ ، وَتَعَلَّمُوا لِلْعِلْمِ السَّكِينَةَ وَالْحِلْمَ ، وَتَوَاضَعُوا لِمَنْ تُعَلِّمُونَ ، وَلْيَتَوَاضَعُ لَكُمْ مَنْ تُعَلِّمُونَ ، وَلا تَكُونُوا جَبَابِرَةَ الْعُلَمَاءِ ، فَلا يَقُومُ عِلْمُكُمْ بِجَهْلِكِمْ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللهُ : فَمَنْ كَانَتْ هَذِهِ أَخْلاقُهُ انْتَفَعَ بِهِ مَنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ .
ثُمَّ أَقُولَ إِنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ كَانَ يُقْرِئُ الْقُرْآنَ للهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ أَنْ يَصُونَ نَفْسَهُ عَنْ اسْتِقْضَاءِ الْحَوَائِجِ مِمَّنْ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ ، وَأَنْ لا يَسْتَخْدِمَهُ ، وَلا يُكَلِّفَهُ حَاجَةً يَقُومُ فِيهَا .
وأَخْتَارُ لَهْ إِذَا عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ أَنْ يُكَلِّفَهَا لِمَنْ لا يَقْرَأُ عَلَيْهِ ، وَأُحِبُّ لَهُ أَنْ يَصُونَ الْقُرْآنَ عَنْ أَنْ تُقْضَي لَهُ بِهِ الْحَوَائِجُ ، فَإِنْ عَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ سَأَلَ مَوْلاهُ الْكَرِيْمَ قَضَاءَهَا ، فَإِذَا ابْتَدَأَهُ أَحَدٌ مِنْ إِخْوَانِهِ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ مِنْهُ ، فَقَضَاهَا لَهُ ؛ شَكَرَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذْ صَانَهُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ ، وَالتَّذَلُّلِ لأَهْلِ الدُّنْيَا ، وَإِذْ سَهَّلَ لَهُ قَضَاءَهَا ، ثُمَّ يَشْكُرُ لِمَنْ أَجْرَى ذَلِكَ عَلَى يَدَيْهِ ، فَإِنَّ هَذَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ .

وَقَدْ رُوِيَتْ فِيمَا ذَكَرْتُ أَخْبَارٌ تَدُلُّ عَلَى مَا قُلْتُ ، وَأَنَا أَذْكُرُهَا لِيَزْدَادَ النَّاظِرُ فِي كِتَابِنَا بَصِيرَةً إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى .

(53) حَدَّثَنَا أبُو الْفَضْلِ الْعَبَّاسُ بْنُ يُوسُفَ الشَّكْلِيُّ ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْجَرَّاحِ الأَذَنِيُّ ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ الْبُورَانِيُّ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِدْرِيسَ ، فَلَمَّا قُمْتُ ، قَالَ لِي : سَلْ عَنْ سِعْرِ الأُشْنَانِ (1) ، فَلَمَّا مَشِيْتُ رَدَّنِي ، فَقَالَ : لا تَسِلْ ، فَإِنَّكَ تَكْتُبُ مِنِّي الْحَدِيثَ ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَسْأَلَ مَنْ يَسْمَعُ مِنِّي الْحَدِيثَ حَاجَةً .

__________
(1) الأُشْنَانُ : فَارِسِيٌ مُعَرَّبٌ ، وَهُوَ فِي الْعَرَبِيَّةِ الْحُرْضُ أَوْ الْغَسُّولُ الَّذِي تُغْسَلُ بِهِ الثِّيَابُ .
قَالَ الأَزْهُرِيُّ : شَجَرُ الأُشْنَانِ يُقَالُ لَهُ : الْحُرْضُ ، وَهُوَ مِنْ الْحَمْضِ ، وَمِنْهُ يُسَوَّى الْقِلْيُ الَّذِي تُغْسَلُ بِهِ الثِّيَابُ ، وَيُحْرَقُ الْحَمْضُ رَطْبَاً ، ثُمَّ يُرَشُّ الْمَاءُ عَلَى رَمَادِهِ ، فَيَنْعَقِدُ وَيَصِيرُ قِلْيَاً .
(54) قَالَ : وَحَدَّثَنَا أبُو الْفَضْلِ ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْجَرَّاحِ قَالَ خَلَفُ بْنُ تَمِيمٍ : مَاتَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ، فَأَتَيْتُ حَمْزَةَ الزَّيَّاتَ ، فَسَأَلْتُهُ أَنْ يُكَلِّمَ صَاحِبَ الدَّيْنِ أَنْ يَضَعَ عَنْ أَبِي مِنْ دَيْنِهِ شَيْئَاً ، فَقَالَ لِي حَمْزَةُ رَحِمَهُ اللهُ : وَيْحَكَ ؛ إِنَّهُ يَقْرَأُ عَلِيَّ الْقُرْآنَ ، وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ أَشْرَبَ مِنْ بَيْتِ مَنْ يَقْرَأُ عَلِيَّ الْقُرْآنَ الْمَاءَ .

(55) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّنْدَلِيُّ قَالَ : ثَنَا الْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ ثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ ابْنُ يَزِيدَ قَالَ : سَمِعْتُ الْفُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ يَقُولُ : يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ لا تَكُونَ لَهُ حَاجَةً إِلَى أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ ، إِلَى الْخَلِيفَةِ فَمَنْ دُونَهَ ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ حَوَائِجُ الْخَلْقِ إِلَيْهِ .

(56) حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ شُعَيْبٍ الْبَلْخِيُّ قَالَ : ثَنَا سُرَيْحُ بْنُ يُونُسَ ثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّازِيُّ وَأبُو النَّضْرِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ : مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ « عَلِّمْ مَجَانَاً كَمَا عُلِّمْتَ مَجَانَاً » .

(57) أَخْبَرَنَا أبُو عَبْدِ اللهِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصُّوفِيُّ ثَنَا شُجَاعُ ابْنُ مَخْلَدٍ ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوائِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي رَاشِدٍ الْحُبْرَانِيِّ قَالَ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شِبْلٍ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « اقْرَءُوا الْقُرْآنَ وَلا تَغْلُوا فِيهِ ، وَلا تَجْفُوا عَنْهُ ، وَلا تَأْكُلُوا بِهِ ، وَلا تَسْتَكْثِرُوا (1) » .

__________
(1) وَرَدَ بِالْمَطْبُوعَةِ بِلَفْظِ « تَسْتَكْبِرُوا عَلَيْهِ » ، وَلَمْ يَرِدْ هَكَذَا فِي مَصْدَرٍ مِنْ مَصَادِرِ الْحَدِيثِ ، وَإِنَّمَا هُوَ كَمَا أَثْبَتُّهُ بِعَالِيهِ .
(58) حَدَّثَنَا أَبْو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ سَهْلٍ الأُشْنَانِيُّ قَالَ : ثَنَا بِشْرُ بْنُ الْوَلِيدِ ثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمَاً مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ تَعَالَى ، لا يَتَعَلَّمُهُ إِلا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضَاً مِنْ الدُّنْيَا ، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ » .

(59) أَخْبَرَنَا أبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْحَسَّانِيُّ ثَنَا وَكِيعٌ ثَنَا سُفْيَانُ عَنْ وَاقِدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ خُلَيْدَةَ عَنْ زَاذَانَ قَالَ : مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ يَتَأَكَّلُ بِهِ النَّاسَ ، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَوَجْهُهُ عَظْمٌ لَيْسَ عَلَيْهِ لَحْمٌ .

__________
(57) لا أَصْلَ لَهُ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (2/168/7741) عَنْ وَكِيعٍ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ « حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ »(4/199) عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ ،كِلاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ عَنْ وَاقِدٍ عَنْ زَاذَانَ بِمِثْلِهِ .

قُلْتُ : وهذا عَنْ زَاذَانَ أبِي عُمَرَ لا أَصْلَ لَهُ ، وَإنَّما يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ مَرْفُوعَاً بِإِسْنَادٍ وَاهٍ ، لا يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ .
(60) حَدَّثَنَا أبُو مُحَمَّدٍ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ ثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَيُّوبَ ثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ ثَنَا مُعَاوِيَةُ النَّصْرِيُّ [ عَنْ نَهْشَلٍ ](1) عَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ - وَقَالَ غَيْرُ شُعَيْبٍ وَعَلْقَمَةَ ، وَلَمْ أَرَ شُعَيْبَاً ذَكَرَ عَلْقَمَةَ - قَالَ قَالَ عَبْدُ اللهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوا الْعِلْمَ ، وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ ، سَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ ، وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لأَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ ، فَهَانُوا عَلَي أَهْلِهَا ، سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : « مَنْ جَعَلَ الْهَمَّ هَمَّاً وَاحِدَاً ؛ هَمَّ آخِرَتِهِ ، كَفَاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَمَّ دُنْيَاهُ ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا ، لَمْ يُبَالِ اللهُ تعالَى فِي أَيِّ أَوْدِيَتِهِا هَلَكَ »(2) .
__________
(1) سَقَطَتْ مِنْ الإِسْنَادِ بِالْمَطْبُوعَةِ ، وَهِي مُثْبَتَةٌ فِي كُلِّ الْمَصَادِرِ ، فَوَجَبَ إِثْبَاتُهَا كَمَا بَعَالِيهِ .
فَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (7/76/34313) : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ ثَنَا مُعَاوِيَةُ النَّصْرِيُّ عَنْ نَهْشَلٍ عَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ صَانُوا الْعِلْمَ ، وَوَضَعُوهُ ... فَذَكَرَهُ مِثْلَهُ .
(2) مُنْكَرٌ . وَأَخْرَجَهُ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ الشَّاشِيُّ « مُسْنَدُهُ »(317) ، وَالْعُقَيْلِيُّ (4/309) ، وَابْنُ عَدِيٍّ « الْكَامِلُ »(7/57) ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ « الْعِلَلَ »(5/42) ، وَابْنُ عَسَاكِرَ « تَارِيخُ دِمِشْقَ »(33/174 و59/35) مِنْ طُرُقٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ الْعَبْدِيِّ ثَنَا عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ النَّصْرِيِّ عَنْ نَهْشَلٍ عَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ الأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ بِمِثْلِهِ ، إلا الْعُقَيْلِيَّ فَاقْتَصَرَ عَلَى الْمَرْفُوعِ .
قُلْتُ : هَكَذَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيِّ وَشُعَيْبُ بْنُ أَيُّوبَ ، فَقَالا « عَنْ الأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ » ، وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ ابْنِ نُمَيْرٍ لا يَذْكُرُونَ « عَلْقَمَةَ » .
فَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (7/76/34313) ، وَعَنْهُ ابْنُ عَدِيٍّ « الْكَامِلُ »(7/57) ، وَأَبُو نُعَيْمٍ « الْحِلْيَةُ »(2/105) ، وَأَحْمَدُ « الزُّهْدُ »( ص22) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، وَابْنُ مَاجَهْ (4106،257) عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ وَالْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَالْبَزَّارُ (1638) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْكِنْدِيِّ ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ « الْعِلَلَ »(5/42) عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَيُّوبَ ، وَالْبَيْهَقِيُّ « شُعُبُ الإِيْمَانِ »(2/306/1888) عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحُلْوَانِيِّ ، سَبْعَتُهُمْ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ النَّصْرِيِّ عَنْ نَهْشَلٍ عَنْ الضَّحَّاكِ عَنْ الأَسْوَدِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ بِهِ .
(61) قَالَ : حَدَّثَنَا أبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِيٍّ ثَنَا أَحْمَدُ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَيْرُونَ ثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ بَكَّارٍ الضَّبِيُّ ثَنَا عِيسَى بْنُ عُمَرَ النَّحْوِيُّ قَالَ : أَقْبَلْتُ حَتَّى أَقَمْتُ عِنْدَ الْحَسَنِ ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : قُرَّاءُ هَذَا الْقُرْآنِ ثَلاثَةُ رِجَالٍ : فَرَجُلٌ قَرَأَهُ فَاتَّخَذَهُ بِضَاعَةً ، وَنَقَلَهُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ ، وَرَجُلٌ قَرَأَهُ ، فَأَقَامَ عَلَى حُرُوفِهِ ، وَضَيَّعَ حُدُودَهُ ، يَقُولُ : إِنِّي وَاللهِ لا أُسْقِطُ مِنْ الْقُرْآنِ حَرْفَاً ، كَثَّرَ اللهُ بِهِمْ الْقُبُورَ ، وَأَخْلَى مِنْهُمْ الدُّورَ ، فَوَاللهِ لَهُمْ أَشَدُّ كِبْرَاً مِنْ صَاحِبِ السَّرِيرِ عَلَى سَرِيرِهِ ، وَمِنْ صَاحِبِ الْمِنْبَرِ عَلَى مِنْبَرِهِ ، وَرَجُلٌ قَرَأَهُ ، فَأَسْهَرَ لَيْلَهُ ، وَأَظْمَأَ نَهَارَهُ ، وَمَنَعَ بِهِ شَهْوَتَهُ ، فَجَثَوْا فِي بَرَانِسِهِمْ ، وَرَكَدُوا فِي مَحَارِيبِهِمْ ، بِهِمْ يَنْفِي اللهُ عزَّ وَجَلَّ عَنَّا الْعَدَوَّ ، وَبِهِمْ يَسْقِينَا اللهُ تعالَى الْغَيْثَ ، وَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ أَهْلِ الْقُرْآنِ أَعَزُّ مِنَ الْكِبْرِيتِ الأَحْمَرِ .

قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ رَحِمَهُ اللهُ : الأَخْبَارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ ، وَمُرَادِي مِنْ هَذَا نَصِيحَةٌ لأَهْلِ الْقُرْآنِ ، لِئَلا يَبْطُلَ سَعِيُهُمْ ، إِنْ هُمْ طَلَبُوا بِهِ شَرَفَ الدُّنْيَا حُرِمُوا شَرَفَ الآخِرَةِ ، إِذْ بَذَلُوهُ لأَهْلِ الدُّنْيَا طَمَعَاً فِي دُنْيَاهُمْ ، أَعَاذَ اللهُ حَمَلَةَ الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ .
فَيَنْبَغِي لِمَنْ جَلَسَ يُقْرِئُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَأَدَّبَ بِأَدَبِ الْقُرْآنِ ، يَقْتَضِي ثَوَابَهُ مِنْ اللهِ تعالَى ، يَسْتَغْنِي بِالْقُرْآنِ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ ، مُتَوَاضِعٌ فِي نَفْسِهِ لِيَكُونَ رَفِيعَاً عِنْدَ اللهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ .

(62) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ زَاطِيَا ثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ ثَنَا حَمَّادُ ابْنُ زَيْدٍ قَالَ : سَمِعْتُ أيُّوبَ يَقُولُ : يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَضَعَ الرَّمَادَ عَلَى رَأْسِهِ تَوَاضُعَاً للهِ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ .

بواسطة : essaher
 0  0  1466
التعليقات ( 0 )

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 11:48 صباحًا الإثنين 30 ربيع الأول 1439 / 18 ديسمبر 2017.