ابراهيم محمد الهلالي
02-24-2010, 10:49 PM
مدارس تحفيظ القرآن الكريم النسائية في السعودية.. تجربة فريدة مدارس تحفيظ القرآن الكريم النسائية في السعودية.. تجربة فريدة
فضل الله ممتاز
إن الناظر لشخصية المرأة يجد أنها من أعظم الأركان في بناء الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم، فهي الأم والزوجة والأخت والبنت، بل هي المعلمة والمربية، ولكن شتان بين من تحمل كتاب الله: تقرؤه وتعمل به وتعلمه أبناءها وبنات المسلمين ونساءهم، فتكون سببا - بإذن الله – في حفظ للنساء المسلمات من أن يفتن أم يفتن، وتكون ممن يقود سفينة المجتمع للوصول إلى بر الأمان، وبين من جعلت همها ما تلبس وما تأكل وما تؤثث به منزلها، وشغلت وقتها بالأسواق والزيارات الكثيرة التي لا طائل من ورائها، لاشك أن الفرق كبير بين الصنفين، وله آثاره الواضحة في تربية الأبناء والمحيط العائلي والمجتمع كله، بما يؤكد أن الأم مدرسة، بصلاحها يصلح الكثيرون، وبفسادها يفسد الكثيرون، ومن ثم فالحاجة ضرورية لتعليم المرأة كتاب ربها تعالى حتى تخرج من بين أيديها أجيالا مسلمة متعلقة بالقرآن الكريم، تعمل به وتدعو إليه، والأسوة في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جعل لنساء الصحابة رضوان الله عليهم يوما يعلمهن فيه كتاب ربهن وأمور دينهن.
ومما من الله به على أبناء هذه البلاد الرغبة الجادة في خدمة كتاب الله تلاوة وحفظا وتجويدا، فأنشئت جمعيات خيرية لتحفيظ القرآن الكريم، انبثقت عنها مدارس نسائية لتحفيظه، أقبلت عليها الدارسات من الفتيات والأمهات بكثافة، وانتشرت في مدن المملكة وربوعها الواسعة، وصارت مؤسسات اجتماعية تعليمية خيرية، تهدف إلى استثمار أوقات الفراغ لجميع فئات المجتمع من النساء فيما يعود بالنفع عليهن وعلى المجتمع بأسره.
وفي هذا التقرير نلقي الضوء على هذه المدارس للتعريف بها وبمنجزاتها:
نشأة المدارس النسائية:
افتتحت أول مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم للنساء بالرياض عام 1401هـ وكانت حلقة واحدة تدرس فيها ثلاثون دارسة تقريبًا، وبمنٍ من الله وتوفيقه كلل الله جهود القائمين على هذه الإدارة بالنجاح، ورحب الناس عامة بهذه الفكرة، وبدأ إقبال الدراسات يومًا بعد يوم وشهرًا بعد شهر، وعدد طالباتها ومدارسها في تزايد مستمر بسبب هذا الإقبال الكبير.
ويدير هذه المدارس الإدارة العامة للمدارس النسائية التابعة للجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم, ومن أجل كثرة المدارس والدارسات قامت الإدارة بتوزيع المدارس إلى فروع لتحسين أوضاعها وأداء رسالتها بصفة أفضل. ولكل فرع إدارة مستقلة تتكون من المدير والمشرف والموظفين، ومكتب إشراف وتوجيه نسائي لمتابعة عمل المديرات والمعلمات وتنفيذ الدورات، وتقوم الإدارة بدور الإشراف المتكامل من تخطيط وتطوير وتنظيم وتقويم ودعم ومساندة وإشراف على المدارس النسائية التابعة لها.
أهدافها:
وضعت الإدارة العامة للمدارس النسائية وذلك بإشراف الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم أهدافًا سامية تأمل تحقيقها وتسعى بكل ما لديها من جهود في تنفيذها، مع مساندة أهل الخير والإحسان ودعمهم والاستعانة بذوي الخبرة والتوجيه والتربية في هذا المجال.
وأهداف المدارس النسائية ما يلي:
ـ تعليم المرأة المسلمة كتاب الله تعالى تلاوة وحفظًا وتجويدًا.
ـ التأكيد على أهمية القرآن في حياة المرأة المسلمة.
ـ تخريج حافظات لكتاب الله تعالى.
ـ الإسهام في تنشئة المرأة المسلمة وتحصينها بآداب القرآن الكريم وأخلاقه.
ـ رفع كفاءة الدارسات ليقمن بتدريس القرآن الكريم وسد الحاجة في ذلك.
نظام فتح المدارس النسائية الجديدة لتحفيظ القرآن الكريم:
وضعت الإدارة العامة للمدارس النسائية نظامًا لفتح المدارس النسائية، يقوم على عدد من الشروط، التي جعلت في غاية المناسبة لخصوصية المرأة المسلمة ومراعية لأحكامها، وما تحتاج إليه من ضبط ومتابعة ورعاية، ويتم ذلك حسب ما يلي:
ـ توجيه خطاب لرئيس الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم من جماعة الحي بشأن طلب فتح مدرسة نسائية لتحفيظ القرآن الكريم في الفترة المسائية، مع بيان ذكر اسم المشرف واسم النائب.
ـ يتم اختيار إحدى مدارس الرسمية لتعليم البنات، لتكون مقرًا لمدرسة تحفيظ القرآن الكريم في الفترة المسائية، شريطة أن تكون المدرسة المختارة مهيأة ومناسبة لذلك، مع إرفاق وصف للموقع.
ـ يتعهد المشرف بأن يكون حلقة وصل مستمرة بين المدرسة والجمعية الخيرية لمتابعة المدرسة.
ـ يشترط أن يكون المشرف والنائب متزوجين، وتكون إحدى محارمهما لها صلة بالمدرسة لتسهيل المخاطبة والمراسلة بين الإدارة والمدرسة.
ـ يشترط أن يكون مع المشرف والنائب عضوان آخران من أهل الحي للاستعانة بهما وقت الحاجة، يتم اختيارهما من المشهود لهما بالصلاح والاستقامة من أئمة المساجد وغيرهم من طلبة العلم وأهل الصلاح.
- يتم ترشيح مديرة للمدرسة يتم اعتماد تعيينها من الجمعية الخيرية بعد اجتياز المقابلة الشخصية.
ومن الشروط اللازمة: تعبئة النموذج الخاص بفتح مدرسة نسائية لتحفيظ القرآن الكريم.
وتقيد الجميع بالتوجيهات واللوائح والأنظمة الصادرة من الجمعية الخيرية. وتوفير حارس مع محرمه لفتح المدرسة وإغلاقها ويرابط وقت دوام المدرسة.
أما إقامة المدارس النسائية في مبان خاصة غير حكومية، فيتم حسب الضوابط التالية:
ـ أن تكون هذه المدرسة تحت إشراف الجمعية ونظرها.
ـ أن لا يكون بالقرب منها مبنى لمدرسة حكومية للبنات، ويكتفي بها إذا أمكن الدراسة فيها.
ـ و أن يكون لها حارس مع زوجته.
- لا تكون قريبة من الميادين العامة، كالحدائق، والملاعب، والمجمعات التجارية.
- لا تكون داخل ساحة المسجد التي يصلى فيها.
- ويكون المبنى تحت تصرف الجمعية الخيرية، وأن تتوافر فيه شروط السلامة والأمن.
مواعيد الدراسة:
تقوم الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم ممثلة بإدارة المدارس النسائية بتحديد مواعيد بداية كل فصل ونهايته، مستمدة ذلك من السياسة العليا للتعليم في المملكة.
تبدأ الدراسة مع بداية الفصل الدراسي (الأول، الثاني) وتنتهي قبل بداية اختبارات الفصل الدراسي بأسبوعين.
يبدأ الفصل الصيفي مع بداية الإجازة الصيفية وتنتهي الدراسة قبل اختبار الدور الثاني بأسبوع.
الأسبوع الأول من الدراسة يكون للتسجيل وتهيئة المدرسة لاستقبال الدارسات.
تتوقف المدارس النسائية خلال شهر رمضان المبارك، على أن تقوم المدرسة بحث الدارسات على مراجعة حفظهن، واستغلال شهر رمضان المبارك لهذه الغاية.
يُشعر أولياء الأمور بالمواعيد ضمن استمارة التسجيل.
نظام الدوام اليومي:
تبدأ الدراسة بعد صلاة العصر مباشرة وتستمر إلى قبل أذان المغرب بربع ساعة في الشتاء ونصف ساعة في الصيف، لجميع أيام الأسبوع عدا يومي الخميس والجمعة، فتغلق المدرسة، ويوضع النظام في لوحة خارجية لأولياء الأمور.
الشروط المطلوب توافرها في المعلمات:
ـ أن تكون قدوة حسنة ممتثلة لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ـ أن تتقن تلاوة القرآن، وأن تحفظ ما يناسب المرحلة التي تدرسها.
ـ أن تكون على قدر من العلم الشرعي ومعروفة بسلامة الاعتقاد.
ـ اجتياز اختبار القبول الذي يجرى لها من قبل الإدارة النسوية في الجمعية الخيرية.
ـ أن تلتزم بالانضباط في الدوام وتطبيق التعليمات والأنظمة.
الضوابط العامة للمدارس النسائية :
ـ أداء الصلاة في وقتها داخل المدرسة، وحيث إن صلاة الجماعة في المسجد واجبة في حق الرجال فينبغي أن تتم المناداة على الدارسات قبل الأذان إذا كان هنا متسع من الوقت، وإلا فتؤخر حتى خروج المصلين من المسجد.
ـ التزام الدارسات بالحجاب الشرعي من لبس العباءة وغطاء الوجه، انطلاقًا من التوجيهات القرآنية والأوامر الربانية، والتحذير من ارتداء الحجاب الشفاف أو وضع النقاب أو لبس (الكابات) أو وضع العباءة على الكتف.
ـ منسوبات مدارس تحفيظ القرآن الكريم قدوة لغيرهن من النساء والفتيات؛ لذا عليهن الحرص على ما يلي:
ـ عدم المغالاة في استخدام أدوات الزينة أو ارتداء الحلي اللافت للنظر أو استخدام العطور.
ـ عدم السماح بإطالة الأظافر أو طلائها بالأصباغ.
ـ التأكيد على وجوب التزام الدارسات اللاتي في السن المدرسي ارتداء الزي المدرسي الصباحي، على ألا تكون قصيرة أو ضيقة أو ذات فتحات أو ذات كم قصير، ويكون هذا في وقت الدراسة أو مناسبة الاحتفالات.
ـ التأكيد على الحضور وإدارة المدارس النسائية تؤكد على العناية بذلك ومتابعة الدارسات من ناحية غيابهن أو تأخرهن عن الحضور يوميًا، وإبلاغ أولياء أمورهن بأي غياب.
ـ للتعامل الحسن من الإداريات والمعلمات مع الدارسات دور كبير في أداء رسالتهن التربوية نحو الدارسات على أكمل وجه، وهذا يتطلب عددًا من الصفات التي ينبغي التخلق بها، ومن أهمها النزاهة والأمانة والقدوة وحب النظام والقدرة على كسب احترام الدارسات وثقتهن، وتكوين علاقات بنَّاءة سليمة معهن، تشجعهن على العطاء المثمر وترفع من معنوياتهن، وتلمس حاجات الدارسات وتفهم مشكلاتهن وشكواهن بصدر واسع رحب، بحيث تكون المعلمة والإدارية كالأم الحنون الواعية المدركة لحاجتهن ومشكلاتهن الأسرية والنفسية والاجتماعية.
جهود مباركة وإنجازات عظيمة:
وعن جهود وفوائد جمعيات تحفيظ القرآن الكريم يقول فضيلة الدكتور بدر بن ناصر البدر عضو هيئة التدريس بقسم القرآن الكريم وعلومه بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: أن لهذه الجمعيات الخيرية وفروعها وغيرها أعمالًا جليلة وجهودًا مشكورة في تعليم القرآن الكريم وتحفيظه لعموم الناس، الذكور والإناث، الكبار والصغار، المواطنين والمقيمين، والإقبال عليها كثير متزايد - ولله الحمد - والناظر في الإحصائيات العامة للجمعيات وغيرها والتقارير السنوية لها يتجلى له ما وصلت إليه من إنجازات وتطلعات مباركة، تبشر بمستقبل مشرق زاهر.
وقد امتد نشاطها إلى نزلاء السجون ودور الملاحظة، فأقيمت لهم الحلقات الكثيرة لتعليم القرآن الكريم وتحفيظه، رغبة في استصلاحهم وتقويم ما اعوج من سلوكياتهم والأخذ بأيديهم إلى
طريق الهداية والاستقامة، وقد استفاد منها مجموعات كثيرة من النزلاء بتخفيف مدة سجنهم.
وكما تقوم هذه الجمعيات الخيرية وغيرها بهذه الجهود الطيبة المنوطة بها وتحقق الأهداف المنشودة منها فإن فضيلته يؤكد على ما يلي:
أولًا: بذل الجهد والرعاية لهذه الجمعيات الخيرية وغيرها بوضع الخطط التعليمية والتربوية والتشجيعية كي تقوم بواجبها.
ثانيًا: دعم هذه الجمعيات ومساندتها بالخبرات العلمية من قبل الأساتذة المتخصصين والمشرفين التربويين.
ثالثًا: دعوة أهل الخير وذوي اليسار والغنى إلى دعمها وإقامة الأوقاف الخيرية الثابتة لها وتذكيرهم بفضائل هذه الأعمال، ومتابعتهم في ذلك، وبيان ما تم إنجازه وتحقيقه لهم بالإحصائيات والتقارير كي يستمر الدعم والتعاون.
رابعًا: الحرص على اختيار المعلم المتقن ذي الدراية بطرائق التدريس ومراعاة الفروق بين الطلاب وإحسان التعامل معهم، وتنويع أساليب التقويم الحافزة للطلاب، وأن يكون قدوة حسنة لهم، مع مراعاة الأعباء التي يتحملها الطالب خلال اليوم الدراسي بمدرسته حسب مرحلته الدراسية، والعناية بإقامة الدورات التي تنمي مواهب الأساتذة وتزيد في قدراتهم وأداء مهامهم على الوجه الأفضل.
خامسًا: المتابعة المستمرة لسير الطلاب من قبل أولياء أمورهم، والتأكيد على ذلك، أداء لأمانة تربية الأولاد ومسؤولية رعايتهم.
سادسًا: إيجاد الحوافز المعنوية والمادية التي تقدم للمبرزين من طلاب الحلقة ودعم تلك الجوائز، وذلك من خلال إقامة الحفلات التي تقام بصفة متكررة في مسجد الحلقة أو قاعة الاحتفالات، مع العناية بالنشاطات التربوية والبرامج المتنوعة كالزيارات والرحلات والمسابقات وغيرها، التي تجدد نشاط الطلاب وتوجد التعويض الأمثل عن المغريات التي تنازع رغباتهم وميولهم خارج الحلقة، مع استغلال هذه اللقاءات في التوجيه والإرشاد.
سابعًا: تتبع حالات الطلاب وأسرهم المادية من قبل القائمين على المدارس الخيرية، وصرف إعانات خاصة للمستحقين من صندوق الجمعية أو من جمعيات البر أو مخاطبة ذوي الغنى بأحوال هذه الأسر لإعانتها ومساعدتها.
ثامنًا: تقديم الهدايا والشهادات التكريمية لأولياء أمور الطلاب والجهات الداعمة لهذه الحلقات والإشادة بهم، وهذه الطريقة لها أثر واضح في استمرار عطاء هؤلاء ودعمهم وتشجيع غيرهم.
تاسعًا: السعي في توظيف القائمين على هذه الجمعيات الخيرية وفروعها، فإن غالب جهازها الإداري يقوم به متعاونون أخيار - جزاهم الله خيرًا - ولا شك أن تعيين هؤلاء أو غيرهم يضمن استمرار العمل وتطوره وعدم انقطاعه، ثم هو شكر وتقدير لهؤلاء العاملين.
هكذا تضافرت الجهود الرسمية والذاتية لإبراز هذه المدارس النسائية لتحفيظ القرآن الكريم, حتى صارت مشروعات علمية وتربوية واجتماعية رائدة، تشهد الإقبال المتزايد من الدارسات، والعزم على التفاني من المعلمات، وتثمر كل يوم نساء وفتيات يحملن كتاب الله في قلوبهن، ويعملن به في أسرهن ومجتمعهن، بما يعود بالثواب والخير عليهن وعلى من حولهن بإذن الله تعالى،
وفي الواقع هي تجربة فريدة يمكن للدول والمجتمعات الإسلامية الأخرى الاستفادة منها وتطبيقاتها لربط الأجيال المسلمة بكتاب ربهم.
فضل الله ممتاز
إن الناظر لشخصية المرأة يجد أنها من أعظم الأركان في بناء الأسرة المسلمة والمجتمع المسلم، فهي الأم والزوجة والأخت والبنت، بل هي المعلمة والمربية، ولكن شتان بين من تحمل كتاب الله: تقرؤه وتعمل به وتعلمه أبناءها وبنات المسلمين ونساءهم، فتكون سببا - بإذن الله – في حفظ للنساء المسلمات من أن يفتن أم يفتن، وتكون ممن يقود سفينة المجتمع للوصول إلى بر الأمان، وبين من جعلت همها ما تلبس وما تأكل وما تؤثث به منزلها، وشغلت وقتها بالأسواق والزيارات الكثيرة التي لا طائل من ورائها، لاشك أن الفرق كبير بين الصنفين، وله آثاره الواضحة في تربية الأبناء والمحيط العائلي والمجتمع كله، بما يؤكد أن الأم مدرسة، بصلاحها يصلح الكثيرون، وبفسادها يفسد الكثيرون، ومن ثم فالحاجة ضرورية لتعليم المرأة كتاب ربها تعالى حتى تخرج من بين أيديها أجيالا مسلمة متعلقة بالقرآن الكريم، تعمل به وتدعو إليه، والأسوة في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جعل لنساء الصحابة رضوان الله عليهم يوما يعلمهن فيه كتاب ربهن وأمور دينهن.
ومما من الله به على أبناء هذه البلاد الرغبة الجادة في خدمة كتاب الله تلاوة وحفظا وتجويدا، فأنشئت جمعيات خيرية لتحفيظ القرآن الكريم، انبثقت عنها مدارس نسائية لتحفيظه، أقبلت عليها الدارسات من الفتيات والأمهات بكثافة، وانتشرت في مدن المملكة وربوعها الواسعة، وصارت مؤسسات اجتماعية تعليمية خيرية، تهدف إلى استثمار أوقات الفراغ لجميع فئات المجتمع من النساء فيما يعود بالنفع عليهن وعلى المجتمع بأسره.
وفي هذا التقرير نلقي الضوء على هذه المدارس للتعريف بها وبمنجزاتها:
نشأة المدارس النسائية:
افتتحت أول مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم للنساء بالرياض عام 1401هـ وكانت حلقة واحدة تدرس فيها ثلاثون دارسة تقريبًا، وبمنٍ من الله وتوفيقه كلل الله جهود القائمين على هذه الإدارة بالنجاح، ورحب الناس عامة بهذه الفكرة، وبدأ إقبال الدراسات يومًا بعد يوم وشهرًا بعد شهر، وعدد طالباتها ومدارسها في تزايد مستمر بسبب هذا الإقبال الكبير.
ويدير هذه المدارس الإدارة العامة للمدارس النسائية التابعة للجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم, ومن أجل كثرة المدارس والدارسات قامت الإدارة بتوزيع المدارس إلى فروع لتحسين أوضاعها وأداء رسالتها بصفة أفضل. ولكل فرع إدارة مستقلة تتكون من المدير والمشرف والموظفين، ومكتب إشراف وتوجيه نسائي لمتابعة عمل المديرات والمعلمات وتنفيذ الدورات، وتقوم الإدارة بدور الإشراف المتكامل من تخطيط وتطوير وتنظيم وتقويم ودعم ومساندة وإشراف على المدارس النسائية التابعة لها.
أهدافها:
وضعت الإدارة العامة للمدارس النسائية وذلك بإشراف الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم أهدافًا سامية تأمل تحقيقها وتسعى بكل ما لديها من جهود في تنفيذها، مع مساندة أهل الخير والإحسان ودعمهم والاستعانة بذوي الخبرة والتوجيه والتربية في هذا المجال.
وأهداف المدارس النسائية ما يلي:
ـ تعليم المرأة المسلمة كتاب الله تعالى تلاوة وحفظًا وتجويدًا.
ـ التأكيد على أهمية القرآن في حياة المرأة المسلمة.
ـ تخريج حافظات لكتاب الله تعالى.
ـ الإسهام في تنشئة المرأة المسلمة وتحصينها بآداب القرآن الكريم وأخلاقه.
ـ رفع كفاءة الدارسات ليقمن بتدريس القرآن الكريم وسد الحاجة في ذلك.
نظام فتح المدارس النسائية الجديدة لتحفيظ القرآن الكريم:
وضعت الإدارة العامة للمدارس النسائية نظامًا لفتح المدارس النسائية، يقوم على عدد من الشروط، التي جعلت في غاية المناسبة لخصوصية المرأة المسلمة ومراعية لأحكامها، وما تحتاج إليه من ضبط ومتابعة ورعاية، ويتم ذلك حسب ما يلي:
ـ توجيه خطاب لرئيس الجماعة الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم من جماعة الحي بشأن طلب فتح مدرسة نسائية لتحفيظ القرآن الكريم في الفترة المسائية، مع بيان ذكر اسم المشرف واسم النائب.
ـ يتم اختيار إحدى مدارس الرسمية لتعليم البنات، لتكون مقرًا لمدرسة تحفيظ القرآن الكريم في الفترة المسائية، شريطة أن تكون المدرسة المختارة مهيأة ومناسبة لذلك، مع إرفاق وصف للموقع.
ـ يتعهد المشرف بأن يكون حلقة وصل مستمرة بين المدرسة والجمعية الخيرية لمتابعة المدرسة.
ـ يشترط أن يكون المشرف والنائب متزوجين، وتكون إحدى محارمهما لها صلة بالمدرسة لتسهيل المخاطبة والمراسلة بين الإدارة والمدرسة.
ـ يشترط أن يكون مع المشرف والنائب عضوان آخران من أهل الحي للاستعانة بهما وقت الحاجة، يتم اختيارهما من المشهود لهما بالصلاح والاستقامة من أئمة المساجد وغيرهم من طلبة العلم وأهل الصلاح.
- يتم ترشيح مديرة للمدرسة يتم اعتماد تعيينها من الجمعية الخيرية بعد اجتياز المقابلة الشخصية.
ومن الشروط اللازمة: تعبئة النموذج الخاص بفتح مدرسة نسائية لتحفيظ القرآن الكريم.
وتقيد الجميع بالتوجيهات واللوائح والأنظمة الصادرة من الجمعية الخيرية. وتوفير حارس مع محرمه لفتح المدرسة وإغلاقها ويرابط وقت دوام المدرسة.
أما إقامة المدارس النسائية في مبان خاصة غير حكومية، فيتم حسب الضوابط التالية:
ـ أن تكون هذه المدرسة تحت إشراف الجمعية ونظرها.
ـ أن لا يكون بالقرب منها مبنى لمدرسة حكومية للبنات، ويكتفي بها إذا أمكن الدراسة فيها.
ـ و أن يكون لها حارس مع زوجته.
- لا تكون قريبة من الميادين العامة، كالحدائق، والملاعب، والمجمعات التجارية.
- لا تكون داخل ساحة المسجد التي يصلى فيها.
- ويكون المبنى تحت تصرف الجمعية الخيرية، وأن تتوافر فيه شروط السلامة والأمن.
مواعيد الدراسة:
تقوم الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم ممثلة بإدارة المدارس النسائية بتحديد مواعيد بداية كل فصل ونهايته، مستمدة ذلك من السياسة العليا للتعليم في المملكة.
تبدأ الدراسة مع بداية الفصل الدراسي (الأول، الثاني) وتنتهي قبل بداية اختبارات الفصل الدراسي بأسبوعين.
يبدأ الفصل الصيفي مع بداية الإجازة الصيفية وتنتهي الدراسة قبل اختبار الدور الثاني بأسبوع.
الأسبوع الأول من الدراسة يكون للتسجيل وتهيئة المدرسة لاستقبال الدارسات.
تتوقف المدارس النسائية خلال شهر رمضان المبارك، على أن تقوم المدرسة بحث الدارسات على مراجعة حفظهن، واستغلال شهر رمضان المبارك لهذه الغاية.
يُشعر أولياء الأمور بالمواعيد ضمن استمارة التسجيل.
نظام الدوام اليومي:
تبدأ الدراسة بعد صلاة العصر مباشرة وتستمر إلى قبل أذان المغرب بربع ساعة في الشتاء ونصف ساعة في الصيف، لجميع أيام الأسبوع عدا يومي الخميس والجمعة، فتغلق المدرسة، ويوضع النظام في لوحة خارجية لأولياء الأمور.
الشروط المطلوب توافرها في المعلمات:
ـ أن تكون قدوة حسنة ممتثلة لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ـ أن تتقن تلاوة القرآن، وأن تحفظ ما يناسب المرحلة التي تدرسها.
ـ أن تكون على قدر من العلم الشرعي ومعروفة بسلامة الاعتقاد.
ـ اجتياز اختبار القبول الذي يجرى لها من قبل الإدارة النسوية في الجمعية الخيرية.
ـ أن تلتزم بالانضباط في الدوام وتطبيق التعليمات والأنظمة.
الضوابط العامة للمدارس النسائية :
ـ أداء الصلاة في وقتها داخل المدرسة، وحيث إن صلاة الجماعة في المسجد واجبة في حق الرجال فينبغي أن تتم المناداة على الدارسات قبل الأذان إذا كان هنا متسع من الوقت، وإلا فتؤخر حتى خروج المصلين من المسجد.
ـ التزام الدارسات بالحجاب الشرعي من لبس العباءة وغطاء الوجه، انطلاقًا من التوجيهات القرآنية والأوامر الربانية، والتحذير من ارتداء الحجاب الشفاف أو وضع النقاب أو لبس (الكابات) أو وضع العباءة على الكتف.
ـ منسوبات مدارس تحفيظ القرآن الكريم قدوة لغيرهن من النساء والفتيات؛ لذا عليهن الحرص على ما يلي:
ـ عدم المغالاة في استخدام أدوات الزينة أو ارتداء الحلي اللافت للنظر أو استخدام العطور.
ـ عدم السماح بإطالة الأظافر أو طلائها بالأصباغ.
ـ التأكيد على وجوب التزام الدارسات اللاتي في السن المدرسي ارتداء الزي المدرسي الصباحي، على ألا تكون قصيرة أو ضيقة أو ذات فتحات أو ذات كم قصير، ويكون هذا في وقت الدراسة أو مناسبة الاحتفالات.
ـ التأكيد على الحضور وإدارة المدارس النسائية تؤكد على العناية بذلك ومتابعة الدارسات من ناحية غيابهن أو تأخرهن عن الحضور يوميًا، وإبلاغ أولياء أمورهن بأي غياب.
ـ للتعامل الحسن من الإداريات والمعلمات مع الدارسات دور كبير في أداء رسالتهن التربوية نحو الدارسات على أكمل وجه، وهذا يتطلب عددًا من الصفات التي ينبغي التخلق بها، ومن أهمها النزاهة والأمانة والقدوة وحب النظام والقدرة على كسب احترام الدارسات وثقتهن، وتكوين علاقات بنَّاءة سليمة معهن، تشجعهن على العطاء المثمر وترفع من معنوياتهن، وتلمس حاجات الدارسات وتفهم مشكلاتهن وشكواهن بصدر واسع رحب، بحيث تكون المعلمة والإدارية كالأم الحنون الواعية المدركة لحاجتهن ومشكلاتهن الأسرية والنفسية والاجتماعية.
جهود مباركة وإنجازات عظيمة:
وعن جهود وفوائد جمعيات تحفيظ القرآن الكريم يقول فضيلة الدكتور بدر بن ناصر البدر عضو هيئة التدريس بقسم القرآن الكريم وعلومه بكلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية: أن لهذه الجمعيات الخيرية وفروعها وغيرها أعمالًا جليلة وجهودًا مشكورة في تعليم القرآن الكريم وتحفيظه لعموم الناس، الذكور والإناث، الكبار والصغار، المواطنين والمقيمين، والإقبال عليها كثير متزايد - ولله الحمد - والناظر في الإحصائيات العامة للجمعيات وغيرها والتقارير السنوية لها يتجلى له ما وصلت إليه من إنجازات وتطلعات مباركة، تبشر بمستقبل مشرق زاهر.
وقد امتد نشاطها إلى نزلاء السجون ودور الملاحظة، فأقيمت لهم الحلقات الكثيرة لتعليم القرآن الكريم وتحفيظه، رغبة في استصلاحهم وتقويم ما اعوج من سلوكياتهم والأخذ بأيديهم إلى
طريق الهداية والاستقامة، وقد استفاد منها مجموعات كثيرة من النزلاء بتخفيف مدة سجنهم.
وكما تقوم هذه الجمعيات الخيرية وغيرها بهذه الجهود الطيبة المنوطة بها وتحقق الأهداف المنشودة منها فإن فضيلته يؤكد على ما يلي:
أولًا: بذل الجهد والرعاية لهذه الجمعيات الخيرية وغيرها بوضع الخطط التعليمية والتربوية والتشجيعية كي تقوم بواجبها.
ثانيًا: دعم هذه الجمعيات ومساندتها بالخبرات العلمية من قبل الأساتذة المتخصصين والمشرفين التربويين.
ثالثًا: دعوة أهل الخير وذوي اليسار والغنى إلى دعمها وإقامة الأوقاف الخيرية الثابتة لها وتذكيرهم بفضائل هذه الأعمال، ومتابعتهم في ذلك، وبيان ما تم إنجازه وتحقيقه لهم بالإحصائيات والتقارير كي يستمر الدعم والتعاون.
رابعًا: الحرص على اختيار المعلم المتقن ذي الدراية بطرائق التدريس ومراعاة الفروق بين الطلاب وإحسان التعامل معهم، وتنويع أساليب التقويم الحافزة للطلاب، وأن يكون قدوة حسنة لهم، مع مراعاة الأعباء التي يتحملها الطالب خلال اليوم الدراسي بمدرسته حسب مرحلته الدراسية، والعناية بإقامة الدورات التي تنمي مواهب الأساتذة وتزيد في قدراتهم وأداء مهامهم على الوجه الأفضل.
خامسًا: المتابعة المستمرة لسير الطلاب من قبل أولياء أمورهم، والتأكيد على ذلك، أداء لأمانة تربية الأولاد ومسؤولية رعايتهم.
سادسًا: إيجاد الحوافز المعنوية والمادية التي تقدم للمبرزين من طلاب الحلقة ودعم تلك الجوائز، وذلك من خلال إقامة الحفلات التي تقام بصفة متكررة في مسجد الحلقة أو قاعة الاحتفالات، مع العناية بالنشاطات التربوية والبرامج المتنوعة كالزيارات والرحلات والمسابقات وغيرها، التي تجدد نشاط الطلاب وتوجد التعويض الأمثل عن المغريات التي تنازع رغباتهم وميولهم خارج الحلقة، مع استغلال هذه اللقاءات في التوجيه والإرشاد.
سابعًا: تتبع حالات الطلاب وأسرهم المادية من قبل القائمين على المدارس الخيرية، وصرف إعانات خاصة للمستحقين من صندوق الجمعية أو من جمعيات البر أو مخاطبة ذوي الغنى بأحوال هذه الأسر لإعانتها ومساعدتها.
ثامنًا: تقديم الهدايا والشهادات التكريمية لأولياء أمور الطلاب والجهات الداعمة لهذه الحلقات والإشادة بهم، وهذه الطريقة لها أثر واضح في استمرار عطاء هؤلاء ودعمهم وتشجيع غيرهم.
تاسعًا: السعي في توظيف القائمين على هذه الجمعيات الخيرية وفروعها، فإن غالب جهازها الإداري يقوم به متعاونون أخيار - جزاهم الله خيرًا - ولا شك أن تعيين هؤلاء أو غيرهم يضمن استمرار العمل وتطوره وعدم انقطاعه، ثم هو شكر وتقدير لهؤلاء العاملين.
هكذا تضافرت الجهود الرسمية والذاتية لإبراز هذه المدارس النسائية لتحفيظ القرآن الكريم, حتى صارت مشروعات علمية وتربوية واجتماعية رائدة، تشهد الإقبال المتزايد من الدارسات، والعزم على التفاني من المعلمات، وتثمر كل يوم نساء وفتيات يحملن كتاب الله في قلوبهن، ويعملن به في أسرهن ومجتمعهن، بما يعود بالثواب والخير عليهن وعلى من حولهن بإذن الله تعالى،
وفي الواقع هي تجربة فريدة يمكن للدول والمجتمعات الإسلامية الأخرى الاستفادة منها وتطبيقاتها لربط الأجيال المسلمة بكتاب ربهم.