المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مجلد للقصص النسائية المؤثرة


اهااات الحربي
07-07-2008, 11:55 PM
سأكون أصلب من حجر



شذى الحميد


كان كل شيء هادئاً كما اعتدت عليه.. والغرفة كما هي باردة.. الستائر منسدلة وكل شيء مبعثر في الغرفة الملابس والكتب والدمى .. نظرت بصمت إلى الأشياء المبعثرة.. أوصدت الباب بقوة وأنا محملقة في الغرفة أبحث عن جواب لأسئلة ظلت تلح علي منذ زمن بعيد..

جلست على السرير منهكة.. أسندت ظهري للجدار وتاهت الأفكار في رأسي .. ليتني أستطيع أن أنام.. أحس أن حشرجة ومرارة تغص في حلقي .. أبتلع الدموع وأشعر بمرارتها.. أنظر إلى المكتبة التي تغص بعشرات الكتب.. ولكني لا أقوى على القراءة في مثل هذه الحالة.. فبالي مشغول بما هو أهم.. في هذا المساء الدافئ يسافر وجهي بعيداً.. كنت أظن أن الحياة قد بدأت تنثر ورودها على وجهي بعد طول صبر.. ولكني لم أنل إلا مزيداً من الصفعات.. كانت بريئة حينما تلقيت الصفعة الأولى ثم أتت الصفعة الثانية وتوالت الصفعات.. حتى اعتاد وجهي على الصفعات كجزء لا يتجزأ من روتين كل يوم..

قاسيت مرارة الحرمان وأنا في سن صغيرة.. ثم التقيت به وأنا في أشد حالات ضعفي فيما يسمى " شات " فتشبثت به كالغريق الذي يعلق أمله في قشة..

تشبثت به وأنا لم أفهم بعد معنى الحب.. كل ما كنت أفهمه أن في شخصه ما يشدني ويجذبني إليه.. هذا الرجل الذي سمح بنفسه بمناداتي " حبيبتي ".. وكانت المرة الأولى التي أنادى بهذه الطريقة على لسان ذكوري.. وأخذ يغدق علي بسيل من العبارات الرقيقة المسبوكة بدقة محترف..

لا أعلم أكان حبي له حقيقة أم مجرد إعجاب برجل ساقته الأقدار في طريقي ..

الهدوء يعم المكان.. يساعدني على الاسترسال في التفكير.. فقد نامت عيون الجميع إلا عيني اللتين أتعبهما السهاد.. تسرب صوت المؤذن داخل غرفتي ليحرك مشاعري من جديد.. رددت النداء معه كلمة.. كلمة.. حتى شعرت بالراحة.. صدقت أختي حينما قالت أنه لا راحة توازي الراحة الحاصلة بعد سماع صوت المؤذن وقت الفجر.. والناس نيام.. وأنا وحدي متيقظة أتفكر به وبوضعي ثم أردد النداء بعد المؤذن.. أشعر برعشة تسري في أوصالي وأطراف أصابعي.. رعشة غريبة.. رغبة جامحة في البكاء.. هل هذا ما يسمونه بالخشوع.. أم أنها رغبة في البكاء لا أكثر.. أبكي.. لا لن أبكي عليه.. فهذا بكاء الندم والتوبة عما فات..

لن أنكسر بسببه فأنا بحاجة إلى كل ذرة قوة..

يجب أن أساند نفسي وأمدها بجرعات من القوة والإيمان..

عليَّ ألاّ أتركها تتوه في غياهب الحزن وحدها لتتمكن منها.. ثم لأجل من كل هذا البكاء؟؟ لرجل لا يكن لي قطرة من احترام.. لرجل لا يهمه من أمري سوى طولي ووزني وجمال صوتي وكمية التنازلات التي سأقدمها له.. لرجل يرى أن جميع النساء في النت سخرت له ولأمثاله.. لرجل يعتقد أن كل من تدخل عالم النت هي متحررة من القيم يحل له إقامة علاقة معها بكل بساطة..

كلا .. غيابه لن يؤثر عليَّ إلى هذه الدرجة.. فقد أرشدني الله من حيث لا أحتسب.. ألهمني الرشد حينما صرخت في وجهه وقلت لأول مرة " لااااااااااااا " حينها ظهر على حقيقته نزع عنه ستار الحب والعطف والرحمة.. ظهرت لي أنيابه.. لم يتوقع مني هذه الصحوة المفاجئة.. هزه اعتراضي .. أغضبه صدودي وامتناعي .. بدأ بالتكشير والصراخ.. ثم حاول تلطيف الجو بتمثيل الحب والغرام مرة أخرى.. ولكني استيقظت أخيراً.. ولن يعود قادراً على خداعي مرة أخرى.. لقد رأيت ما فعله بغيري بأم عيني وسمعت آلاف القصص من أفواه فتيات ذقن أقسى الآلام نتيجة لتصديق كلامه المعسول.. عندها قرر الرحيل.. عله يجد ضحية أخرى تكون أكثر سذاجة مني ..

قال لي بكل وقاحة بعد أن لمس حجم التغيير الذي طرأ عليَّ وقرأ عبارات الاحتقار بين كلماتي ( أنت لم تحبيني قط ولن تحبي أحداً لأنك امرأة بلا مشاعر ولا تفهمين معنى الحب.. أنت أشد برودة من الثلج.. أنت كالحجر في صلابته.. فهنيئاً لك هذه الحياة الخالية من المشاعر..! وأنا متأكد من أنك ستتجرعين مرارة الحرمان من بعدي وستكون حياتك أشبه بالموت البطيء منها بالحياة.. فوداعاً يا من خدعتني بزيفك وسذاجتك المصطنعة.. يا من تحاولين الآن تمثيل دور المرأة العفيفة أمامي الآن بعد أن سقيتك من كأسي أياماً طوالاً.. فقد مللت مني الآن وحان الوقت للبحث عمن يقدم لي شيئاً آخر لم أستطع تقديمه لك.. فلا تحاولي إقناعي بصفاء سريرتك.. فكل فتيات النت سواء.. كلهن يدعين الصلاح والحياء.. وهن بعيدات كل البعد عن ذلك.. يدعين الدين والاستقامة وأنها أول علاقة لهن! اذهبي فلن أطيل عليك.. الله يوفقك بالحبيب الجديد! )

لكن سأنسى أمره وأعيش حياتي بلا مشاعر..

ولكن هل أنا حجر فعلاً حتى أعيش بلا مشاعر؟

هل أنا ثلج كما قال؟

لا لست حجراً.. قال لي يوماً بأني حجر.. أشارك الجوامد بخواص كثيرة.. قال إني غير كل النساء.. ليس لدي مشاعر ولا أحاسيس.. أعلم أنه لا يؤمن بما قاله لسانه.. وأنه ما أطلق علي هذا الحكم الجائر إلا لمعرفته بطبيعتي العاطفية الرومانسية وبطيبة قلبي .. فأحب أن يؤثر علي بهذه الكلمات علي أتراجع عن قراري وأخضع لمطالبه..

فلو كنت حجراً كما يقول لما تفكرت بكلماته كل هذه الأشهر..

لو كنت حجراً لكنت عرضت سمعتي وسمعة أهلي للسوء بمثل هذه العلاقات المشبوهة.. لو كنت حجراً لكنت وافقت على بناء سعادتي – إن كانت سعادة – على تعاسة الآخرين وأولهم أهلي ثم زوجته التي لم يفكر يوماً في أمرها..

قال لي بأني حجر لا يعرف عظيم المشاعر التي يعج بها صدري فأراد أن يثيرني بكلماته القاسية.. ونجح بذلك.. لكني فهمت الدرس جيداً.. واقتنعت بأني سأكون أكثر صلابة من الحجر إن بعت نفسي وتخليت عن ديني من أجل شخص مثله..

مجلة حياة العدد 48 ربيع ثاني1425هـ


تحرير: حورية الدعوة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة : ولك بمثل »

اهااات الحربي
07-08-2008, 12:01 AM
اعترافات فتاة - لا شي ينتهي .. وبابه مفتوح



نوف الحزامي


كان يوماً صيفياً حاراً.. وريح السموم على أشدها في الرياض..
فتحت جود نافذة الغرفة..
- أفف " اختنقنا" من المكيف!
قفزت بسرعة لأغلق النافذة..
- هييييييييه! ماذا تريدين أن تفعلي .. هل جننت؟ تفتحين النافذة في هذا الحر؟
سكتت ومطت شفتيها ثم رمت بنفسها على سريري بتثاقل..
- أفففف.. ملل.. ما كنها عطلة.. الناس مسافرة ومستانسة.. وحنا.. هنا.. طفش..
كنت على وشك أن أتكلم.. لكني آثرت الصمت وأنا أقلب الكتاب الشيق الذي بين يدي..
أخذت تتقلب في ملل.. ثم قفزت فجأة..
- فطوم! ما رأيك أن نذهب لبيت عمتي لنملأ المسبح ونسبح مع البنات؟ ما رأيك؟
مددت شفتي للأمام.. فلم تكن الفكرة تعجبني..
- كلا .. لا أحب.. تعرفين.. بيتهم مليان شباب.. ولا أضمن أن لا يتلصصون علينا..
- أفففف.. أنت معقدة ..!
نظرت إليها بهدوء وقلت وأنا أبتسم..
- حبيبتي.. كم مرة قلت " أففف" منذ دخلت الغرفة؟!
- أففففف.. حتى الـ" أفففف" صارت محسوبة علينا!
وخرجت غاضبة من الغرفة..
كانت جود أصغر فرد في عائلتنا.. ورغم أن فارق السنوات بيننا لا يتجاوز الست سنوات.. إلا أن الفارق في الشخصية كبير جداً.. والفجوة بيننا واسعة..
منذ فتحنا أعيننا على الدنيا ونحن نرى أسرتنا مثالا للأسرة الصالحة المحافظة ولله الحمد..
أمي إنسانة تخاف الله وربتنا منذ طفولتنا على الأخلاق الفاضلة.. وكذلك أبي .. فرغم انشغاله إلا أن تربيته الصارمة والمحبة في نفس الوقت كان لها أثر كبير على استقامتنا ولله الحمد..
لكن الحال مع جود كان مختلفاً.. فلكونها آخر العنقود كان والداي يدللانها ويعاملانها معاملة خاصة جداً..
فهي الوحيدة التي كان لها الحق في السهر لساعات متأخرة حتى في أوقات المدارس.. كما أنها استطاعت ببكائها وشكواها المستمرة أن تقنعهما بإدخالها مدرسة خاصة.. وحتى لباسها للأسف.. كانت أمي تنصاع لها وتسمح لها بارتداء ما لم يكن يسمح به لنا..
غضبنا أنا وأخواتي واعترضنا كثيراً، لكن دون جدوى للأسف.. فقد بدا واضحاً حجم الاختلاف الكبير بيننا.. ففي الوقت الذي نستمتع فيه بسماع أشرطة المحاضرات كانت جود لا تستطيع المذاكرة إلا مع سماع الأغاني ..
وما يحرق فؤادي هو رضا أمي عنها وعدم معارضتها لها.. حتى والدي كان دائماً يعتبرها طفلة ومسكينة وبريئة..
والحقيقة هي أن جود كانت بالفعل قادرة على الاستحواذ على قلبيهما.. فهي دائمة الالتصاق بهما.. وتخدمهما بشكل متواصل.. وتدللهما في الكلام.. وتشتري لهما الهدايا.. كانت ماكرة.. أو حنونة.. جداً ..
حاولت كثيراً أن أنصحها.. أن أوجهها.. لكني يأست منها.. فقد كانت دائماً تصد عني .. وتعتبرني " عقدة" .. ولا تريديني أن أنصحها بأي كلمة..
وذات يوم طلبت جود من أمي أن تذهب لمدينة الألعاب بصحبة صديقاتها.. وأخذت تلح عدة أيام حتى وافقت لها أمي .. وحين علمت بذلك عارضت كثيراً..
- أمي كيف تسمحين لها.. ستذهب مع فتيات لا تعرفين أخلاقهن.. أرجوك.. كيف تسمحين لها؟
لكن أمي كانت تهدئني .. وتقول أن الأمر عادي.. والمكان نسائي ..
- لكن يا أمي .. هي لا تزال في المرحلة المتوسطة.. كيف تذهب لوحدها؟
- اذكري الله يا ابنتي .. لا تكوني هكذا.. الأمر بسيط كل البنات يذهبن لوحدهن..
- أمي أنا رأيت صديقاتها حين ذهبت لمدرستها ذات يوم.. والله يا أمي لو رأيتهن لما ارتحت لمنظرهن.. حتى العباءة لا يعترفن بها.. بل يخرجن شبه كاشفات مع سائقيهن.. كيف تتركينها تخرج معهن..
- وما دخلها بهن..؟ فاطمة .. خلاص أنهي الموضوع.. " كلها" ساعتين وسوف ترجع بإذن الله.. لم القلق؟
حاولت وحاولت.. لكن عبثاً..
فاستسلمت.. وسكتُ على مضض وقلبي يشتعل من الألم.. لأني بدأت أشعر أن أختي ستضيع من بين يدي إن استمر هذا التهاون.. إن لم يكن الآن ففي المستقبل القريب..
وذهبت.. وهي تضرب الأرض بكعبها وتحدجني بنظرة كلها تحدي وانتصار.. ذهبت وهي ترتدي تلك التنورة الجنز القصيرة ذات الحزام المعدني المتدلي.. والمكياج يملأ وجهها الطفولي ..
حشرت نفسها في عباءتها الضيقة وخرجت تتمايل..

**

كنا جالسين نتناول عشاءنا الخفيف المفضل الخبز واللبن.. حين نظرت والدتي للساعة..
- غريبة! الساعة تسعة ونصف.. وجود لم ترجع..
التفت والدي نحوها وقال..
- لماذا؟.. متى قالت أنها ستعود؟
- قالت قبل العشاء.. يعني في الثامنة تقريباً..
- اتركيها فربما استمتعت وتريد اللعب أكثر..
كنت أنظر لهم وأنا صامتة تماماً.. فقد قررت أن لا أسأل عنها ولا أتدخل بها أبداً..
صمت والدي قليلاً ثم سأل..
- مع من قالت أنها سترجع..؟
- تقول أنها ستعود مع صديقتها.. لديها سائق..
شعر بأن والدي بدأ يشعر بأن هناك خللاً في الموضوع..
- الله يهديك يا أم عبد الله.. لماذا لم تقولي لي من قبل.. كيف ترضين أن تعود مع سائق لوحدها.. وهي لا تزال فتاة صغيرة..
- لا أدري كيف أقنعتني أصلحها الله..
مضت عقارب الساعة بسرعة مخيفة نحو العاشرة.. ثم الحادية عشرة وجود لم تعد..
بدأ القلق يتسرب لبيتنا بشكل مخيف..
وبدأ أبي يصرخ..
- كيف تتركينها تذهب دون أن تأخذي منها رقم جوال صديقتها.. رقم أهل صديقتها.. أو على الأقل اسم صديقتها..؟؟
وكادت أمي تبكي وهي تقول..
- لماذا لم تسألها أنت..؟ ما دخلي..؟ لا تصرخ علي.. يكفيني ما بي الآن..
أتى أخوتي كلهم.. حتى أخي عبد الله المتزوج تم استدعاؤه من بيته..
ذهبوا لمدينة الألعاب فوجدوها قد أغلقت أبوابها.. جن جنون أبي وارتفع عليه السكر وانهار.. ونقل للمستشفى ..
الكل كان يبحث عنها دون جدوى..
وعند الساعة الواحدة ليلاً.. قام أخي بإبلاغ الشرطة.. لكننا لم نكن نملك خيطاً واحداً يدلنا عليها..
لا اسم صديقتها.. لا جوال.. لا رقم سيارة.. ولا أي شيء.. فكيف نعرف أين تكون؟ وماذا يفعل الشرطة لنا؟
بقينا كلنا في البيت نبكي ونصلي وندعو الله.. ولا نعرف ماذا نفعل.. جود مختفية.. وأبي في المستشفى ..
وعند الساعة الرابعة فجراً.. فوجئنا برقم غريب يتصل على جوال أخي عبد الله..
وحين رد.. كانت الطامة التي لم نتوقعها..
كان أحد الأخوة من الهيئة يتصل بأخي ليبلغه بأن أختي قد وجدت مع شاب في سيارة لوحدهما ليلة أمس.. وأنها قد انهارت وأغمي عليها من شدة الصدمة ولم تفق إلا قبل قليل لتعطيهم الرقم..
حين أغلق أخي الخط.. جلس على الأرض ولف وجهه بشماغه وأخذ يبكي..
صرخت أمي ..
- ماذا؟ .. تكلم؟ وجدوها ميتة في المستشفى؟ حادث.. تكلم .. تكلم!
ومن بين الشهقات أجاب وصوته الرجولي يهتز بقوة مؤلمة.. ولحيته مخضلة بالدموع..
- يا ليت يمه.. يا ليت..
كنت أعرف ماذا قالوا له.. كنت أشعر به.. قبل أن يخبرني .. لكني سكت..
أسرعت أمسك أمي وأذكرها بالله.. وهي تنتفض بقوة بين يدي..
أسرعت أغسل وجهها فيختلط الماء بالدموع..
وبعد قليل.. ذهب عبد الله ليستلمها.. بعد أن أقسمت عليه أمي أغلظ الأيمان أن لا يقتلها..
بعد سويعات..
دخلت.. وجهها شاحب كالموت.. وقد تركت الدموع خيوطها على وجنتيها..
كانت ترتجف.. حين رأتنا أسرعت ترمي نفسها عند قدمي أمي ..
- يمه سامحيني .. والله ما سويت شيء.. والله العظيم.. والله..
رفستها أمي برجلها بقوة.. وصرخت فيها بقوة..
- اذهبي لغرفتك.. اذهبي لا أريد أن أرى وجهك يا " ..." .. أبوك يحتضر في المستشفى بسببك.. ليتك مت ولم نر فيك هذا اليوم يا خائنة الأمانة..
كنا جميعاً نشعر بتقزز غريب منها.. لا نريد أن نكلمها أو حتى نرى وجهها أو نشم رائحتها..
وفي الغد أخذتها أمي كشيء مكروه لتقوم بعمل تحليل حمل لها.. وهي تبكي وتصيح.. وتقسم بأنها لم تفعل شيئاً.. لكن أمي كانت تريد إذلالها فقط وأن تشعرها بدناءة فعلها الشنيع ونظرتنا لها..
بقي أبي في المستشفى أياماً وحالته غير مستقرة.. لذا لم نخبره بأمرها بل قلنا له أن حادثاً قد حصل لها.. لكنه عرف.. عرف ذلك من وجوهنا الملطخة بالعار.. ومن بكائنا الذي يحمل رائحة القلوب المجروحة..
وحين استعاد صحته وخرج.. تأكد تماماً من ذلك حين شاهد كيف أصبحنا نعاملها.. وكيف أصبحت شبه محبوسة في غرفتها.. فلم يعد هو الآخر يحادثها بحرف واحد..
كنت أشاهد أشياء كبيرة في أبي وقد تحطمت.. كبرياؤه.. رجولته.. فخره بأبنائه..
لم يعد يخرج.. ولا يجتمع مع الآخرين.. أصبح يفضل الجلوس مع أمي صامتاً على الخروج لأي مكان..
حزن كبير كان يسود بيتنا.. حتى أخواتي المتزوجات لم يعدن يزرننا كثيراً.. وكأنهن يخشين من مواجهة الحزن والكآبة..

وذات يوم..
أحسست أن علي أن أفعل شيئاً.. أن أرفع هذا الحزن المقيت الذي يجثم فوق قلوبنا.. وأن أصلح شيئاً..
دخلت غرفتها بهدوء.. وجدتها صامتة على سريرها.. جلست قربها.. نظرت إليها..
- لأول مرة.. هل تسمحين لي أن أسألك..
لماذا؟
سكتت طويلاً..
وحين رأت إصراري بالنظر إليها ابتسمت بحزن هازئة..
- كنت أعتقد أنه يحبني ..
- ثم؟
- حين بدأ رجال الهيئة بملاحقة السيارة فوجئت به يقف بسرعة ويصرخ بي كي أنزل بل أخذ يدفعني بقوة.. ولم أشعر بنفسي إلا وأنا أقف في منتصف الشارع لوحدي وقد هرب وتركني.. النذل..
- هل سبق وخرجت معه من قبل؟
- مرة واحدة فقط.. أخذني من المدرسة وتغدينا ثم أعادني ..
نظرت إليها طويلاً ثم قلت..
- .. وما شعورك الآن؟
- شعوري؟ .. أكرهه.. وأكره نفسي..
وفجأة.. أخذت تبكي بحرقة وتشهق.. حتى أثارت حزني.. اقتربت منها.. وضممتها لأول مرة منذ شهرين.. ومسحت على شعرها الخفيف الذي تساقط أكثره منذ فترة..
شعرت بعطف شديد عليها.. ضممتها وأخذت أبكي معها..
- لا تكرهي نفسك يا حبيبتي .. لا تكرهيها.. باب التوبة مفتوح.. والله سبحانه وتعالى ينتظرك.. ينتظر توبتك ويفرح بها..
اهتزت بين يدي كحمامة صغيرة وهي تبكي..
- لكنكم تكرهوني .. خلاص.. لا تريدوني.. لا أحد يريدني حتى لو تبت..
أمسكت رأسها ورفعته فشاهدت في عينيها جود الطفلة الصغيرة..
- كلنا سنحبك.. وسننتظرك.. فقط انسي الماضي.. وابدئي من جديد..
ثم تابعت بهدوء..
- أنا لا أريدك أن تنسي الماضي من أجلنا.. كلا.. أريدك أن تنسيه من أجلك أنت.. أن تفتحي صفحة بيضاء جديدة مع ربك.. مع خالقك.. إنها علاقتك به.. أصلحي ما بينك وبينه.. وسيصلح كل شيء بينك وبين الآخرين..
ارتجف صوتها..
- لكن.. سمعتي .. انتهت..
ابتسمت لها..
- من قال ذلك؟ لا شيء ينتهي طالما باب الكريم الرحمن مفتوح.. فقط ندي يديك إليه.. وسترين كرمه ورحمته..
نظرت إلي لأول مرة في حياتها بتأثر.. ثم ابتسمت وعيناها لا تزالان غارقتان بالدموع..


نوف الحزامي
مجلة حياة العدد 62 / جمادى الآخرة 1426هـ


تحرير : حورية الدعوة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « إذا دعا الرجل لأخيه بظهر الغيب قالت الملائكة : ولك بمثل »

راجي عفو ربه
07-08-2008, 10:20 AM
ان شاء الله يعتبر الجميع منها بإنتظار اكمال السلسلة


بارك الله فيك

اهااات الحربي
07-08-2008, 07:36 PM
أحاديث لها قصة (1)


د/ خالد سعد النجار


(1)
أضحكهما كما أبكيتهما

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال :
جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبوي يبكيان فقال ( ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما ) (1)
من روائع هذا الدين تمجيده للبر حتى صار يعرف به ، فحقا إن الإسلام دين البر الذي بلغ من شغفه به أن هون على أبنائه كل صعب في سبيل ارتقاء قمته العالية فصارت في رحابه أجسادهم كأنها في علو من الأرض وقلوبهم معلقة بالسماء
وأعظم البر ( بر الوالدين ) الذي لو استغرق المؤمن عمره كله في تحصيله لكان أفضل من الجهاد ، الأمر الذي أحرج أدعياء القيم والأخلاق في دول الغرب فجعلوا له يوما واحدا في العام يردون فيه بعض الجميل للأبوة المهملة بعدما أعياهم أن يكون من الفرد منهم بمنزلة الدم والنخاع كما عند المسلم الصادق
قال تعالى ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا )الإسراء 23- 24 بهذه العبارات الندية والصور الموحية يستجيش القرآن الكريم وجدان البر والرحمة في قلوب الأبناء ، ذلك أن الحياة وهي مندفعة في طريقها بالأحياء توجه اهتمامهم القوي إلى الأمام إلى الذرية إلى الناشئة الجديدة إلى الجيل المقبل وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء إلى الأبوة إلى الحياة المولية إلى الجيل الذاهب !ومن ثم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدانها بقوة لتنعطف إلى الخلف وتتلفت إلى الآباء والأمهات
إن الوالدين يندفعان بالفطرة إلى رعاية الأولاد إلى التضحية بكل شيء حتى بالذات . وكما تمتص النابتة الخضراء كل غذاء في الحبة فإذا هي فتات ، ويمتص الفرخ كل غذاء في البيضة فإذا هي قشر ، كذلك يمتص الأولاد كل رحيق وكل عافية وكل جهد وكل اهتمام من الوالدين فإذا هما شيخوخة فانية ــ إن أمهلهما الأجل ــ وهما مع ذلك سعيدان ! فأما الأولاد فسرعان ما ينسون هذا كله ويندفعون بدورهم إلى الأمام إلى الزوجات والذرية وهكذا تندفع الحياة ومن ثم لا يحتاج الآباء إلى توصية بالأبناء إنما يحتاج هؤلاء إلى استجاشة وجدانهم بقوة ليذكروا واجب الجيل الذي أنفق رحيقه كله حتى أدركه الجفاف ! وهنا يجيء الأمر بالإحسان إلى الوالدين في صورة قضاء من الله يحمل معنى الأمر المؤكد بعد الأمر المؤكد بعبادة الله
ثم يأخذ السياق في تظليل الجو كله بأرق الظلال وفي استجاشة الوجدان بذكريات الطفولة ومشاعر الحب والعطف والحنان ( إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ) والكبر له جلاله وضعف الكبر له إيحاؤه وكلمة ( عندك ) تصور معنى الالتجاء والاحتماء في حالة الكبر والضعف ( فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما ) وهي أول مرتبة من مراتب الرعاية والأدب ألا يند من الولد ما يدل على الضجر والضيق وما يشي بالإهانة وسوء الأدب ( وقل لهما قولا كريما ) وهي مرتبة أعلى إيجابية أن يكون كلامه لهما يشي بالإكرام والاحترام ( واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ) وهنا يشف التعبير ويلطف ويبلغ شغاف القلب وحنايا الوجدان فهي الرحمة ترق وتلطف حتى لكأنها الذل الذي لا يرفع عينا ولا يرفض أمرا وكأنما للذل جناح يخفضه إيذانا بالسلام والاستسلام ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) فهي الذكرى الحانية ذكرى الطفولة الضعيفة يراعها الوالدان وهما اليوم في مثلها من الضعف والحاجة إلى الرعاية والحنان وهو التوجه إلى الله أن يرحمهما فرحمة الله أوسع ورعاية الله أشمل وجناب الله أرحب وهو أقدر على جزائهما بما بذلا من دمهما وقلبهما مما لا يقدر على جزائه الأبناء (2)
الويل كل الويل لعاق والديه والخزي كل الخزي لمن ماتا غِِضابا عليه أف لك هل جزاء المحسن إلا الإحسان إليه أتبع الآن تقصيرك في حقهما أنينا وزفيرا ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا )
كم آثراك بالشهوات على النفس ولو غبت ساعة صارا في حبس حياتهما عندك بقايا شمس ، لقد راعياك طويلا فارعهما قصيرا ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا )
كم ليلة سهرا معك إلى الفجر يداريانك مداراة العاشق في الهجرِ فإن مرضت أجريا دمعا لم يجر ، تالله لم يرضيا لتربيتك غير الكف والحجر سريرا ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا )
يعالجان أنجاسك ويحبان بقاءك ولو لقيت منهما أذى شكوت شقاءك ، ما تشتاق لهما إذا غابا ويشتاقان لقاءك كم جرعاك حلوا وجرعتهما مريرا ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا )
تحب أولادك طبعا فأحبب والديك شرعا وتذكر أصلا أنبت لك فرعا ، وتذكر طيب المرعى أولا وأخيرا ( وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا ) (3)

اهااات الحربي
07-08-2008, 07:44 PM
وانفرط عقد الأسرة نتيجة غفلة مني!

http://saaid.net/gesah/img/mas-an-9.jpg


لم أكن أدرك أنني أغرس خنجراً في خاصرة الأسرة، حينما رأيت ابني الوحيد يتعاطى التدخين، وتغافلت عن ذلك حتى لا يضربه والده؛ على أمل أن يترك ذلك السلوك، وأخذتني العاطفة وتغاضيت عنه، حتى تم استدراجه من قبل مجموعة الشر التي يصاحبها إلى تجريب المخدر بحجة أنه مجرد منبه ومنشط أيام الاختبارات

وليت المسألة وقفت عند هذا الحد

بل تعدت ذلك بكثير

حيث أصبح ابني مدمن مخدرات، ولاحظت ذلك من خلال عينيه الحمراوين دائما وشروده الذهني، وعدم المبالاة في تصرفاته، بل وظهور التبلد في سلوكه

حتى أخته (الشابة) لم يعد يحفل بأمرها ماذا تلبس، أين تذهب، من هن صديقاتها؟؟..

كل هذه الأمور لم تعد تهمه، على الرغم من أن مسؤوليته تضاعفت بعد موت والده في حادث سير مما ضاعف مسؤولياتي وهمومي.

لم أتعود على استخدام القوة أو الشدة معه، بل اعتاد هو أن يأسرني بحديث عاطفي لينتزع مني ما يريده

صرت أبدو أمامه طيبة أكثر من اللازم
انفرط عقد النظام والانضباط داخل البيت

صار مجلسه ملتقى لشلة الهوى، حيث أصبح أصدقاؤه يرتادون منزلنا؛ بحثاً عنه وحرصاً على ملاقاته بشكل يومي، وهذا أتاح الفرصة لأن يرى بعضهم ابنتي التي في بداية سن الشباب، وهو غير مكترث لذلك.. بل جميعنا لم يكن يخطر ببالنا ما حدث،

في ظل هذا الوضع ضاعت الدراسة وانحدر مستواه التعليمي إلى درجات سحيقة بعد أن كان قبلها من الأوائل، فتحدثت معه كثيراً دون جدوى، ويبدو أنه قد تخطى مرحلة التأثر بالنصح والتوجيه؛ لأنه كان متأخراً جداً

حاولت معه كل الأساليب لإقناعه بالابتعاد عن تلك المجموعة، وكانت حجته في كل مرة أن هؤلاء من خيرة الأصدقاء وأنهم يحبونه ولا يرضون له السوء، ولا يستطيعون البعد عنه، أو يتحملون غيابه

كان بعض من العبارات تحمل سحراً يدغدغ عاطفتي فتنطفئ ثورتي وأترك النقاش في الموضوع

حتى توسعت دائرة الحريق في المنزل حين استطاع أحد أصدقائه أن يرى ابنتي حينما فتحت له الباب، حيث جاء يسأل عن أخيها، فأعجبته، وتحصل على رقم الهاتف وصار يحادثها هاتفياً، محاولاً إقناعها بأنه يحبها ويسعى للزواج منها.
لم يكن تصديق ابنتي وانسياقها وراء وعوده البراقة بأضعف من محاولة مراقبتي لها، ولم يكن أخوها أكثر حرصاً عليها من حرصه على مجموعته ومزاجه وهواه

ورغم خوفي الشديد عليهما، وحذري من ذلك الشاب وتلك المجموعة، فقد تسلل حديث الشاب المعسول إلى قلبها، وصارت تعيش تحت تأثير أوهامه، وتخديره، ولم أستطع إقناعها بخطورة الطريق الذي تسير فيه، لاحظتها أكثر من مرة تحادث ذلك الشاب عبر الهاتف، وعندما أسألها تنكر، وتدعي أنها تكلم إحدى صديقاتها، فأصبحت أمام مصيبتين، كلاهما أشر من الأخرى، الكذب وهو مفتاح كل شر، والأخرى إقامة علاقة عاطفية مع شاب سيىء وفاشل

أما أخوها فقد انجرف في هذا الطريق بعد أن أكمل الثانوية دون الحصول على معدل يدخله أي كلية أو معهد، ولا حتى وظيفة، فظل يلازم شلة السوء، حتى وضعته الجهات الأمنية تحت المراقبة المستمرة

وكان في كل ليلة يعود إلى المنزل قبيل الفجر يتثاءب.. ثم يواصل النوم حتى الظهر

وفي إحدى الليالي لم يأت في موعده المحدد، بل لم نسمع وقع خطواته كالمعتاد حتى الفجر، فأصابني القلق ولم أذق طعم النوم تلك الليلة

ولكن في الساعات الأولى من الصباح رن جرس الهاتف وكان في الطرف الآخر أحد رفقاء ابني الذي علم أن مكافحة المخدرات ألقت القبض على مجموعة من المدمنين والمروجين ومن بينهم ابني

لم تكن ابنتي تعلم أن أخاها مدمن ولا حتى أصدقاؤه، فأصيبت بصدمة عند سماعها نبأ القبض على صديق أخيها الذي أوهمها بالحب والزواج
أما أبنائي الصغار فكانت أسئلتهم عن أخيهم أكبر من أن أجيب عليها إجابة مقنعة

وهكذا تهاوت الأسرة
أب غيَّبه الموت
وأم عجزت..
بل تهاونت في تحمل المسؤولية
وتساهلت للحد الذي جعل الأبناء ينحرفون
وابن في السجن بسبب المخدرات
وبنت تجاوزت كل الأعراف والقيم والدين والأخلاق وأتاحت الفرصة لأحد الشباب أن يغازلها ويلعب بعقلها
وصغار مندهشون مما يجري ولا يجدون له تفسيراً، ولا يعرف أحد كيف يكون مستقبلهم ومصيرهم؟!!
البداية كانت خاطئة، لذلك أنتجت هذه النهاية المأساوية المحزنة
وكل ذلك بسبب التساهل والتهاون في أمور هي من صميم الدين
فأنا الآن نادمة كل الندم.. ولكن بعد ماذا؟!!
بعد أن حدث الذي كنا نخشاه، حيث لا ينفع الندم.
وأنا التي تسببت في كل ذلك، وأرجو الله أن يسامحني.

**
المرجع: مجلة بنات اليوم العدد (9)

اهااات الحربي
07-08-2008, 07:45 PM
[COLOR="sienna"][frame="15 98"]قصتي مع الصور الخليعة



العائد


يقول صاحب القصة نقلاً عنه :
هذه قصتي أسوقها لكم لعل فيكم من يسمع و يعي .
كنت شاباً يافعاً مشرئب المعالي ، سليم المعاني ، تتزاحم في قلبي الكثير من الآمال والأحلام التي تراود كل فتى , أجد نهمتي في قراءة القرآن الكريم ، وألتهم كل ما يقع في يدي من الكتب النافعة ، لا أزال ملتحقاً بحلقة تحفيظ القرآن منذ بلوغي العاشرة من عمري ، ولم أتركها حتى يومي هذا ، لطيف المشاعر صادق الإحساس ، يحبني كل من يقابلني ، أستقبل كل من يراني بابتسامة ترتسم على محياي .
لم أكن بمعزلٍ عما يداهم شباب زمني من توافد الملهيات وشواغل الترهات لاسيما الشهوات وما أدراك ما الشهوات !
كنت أجاهد نفسي عن ذلك كله إذا عنّ لي ما قد يضرني منها مستعيناً بالله ثم بالرفقة الصالحة التي تلزمني طاعة الله والاستقامة على طريقه , محاضرات , ودروس علمية , ومجالس تربوية جادة كل ذلك كان حياتي ، أنسى نفسي الساعات الطوال في القراءة ، أمكث في المسجد أوقاتاً كي أحفظ سورة من سور القرآن .
تخرجت من الجامعة وكانت فرحتي غامرةٌ جداً , كان تخصصي نادراً لذلك كان تعييني في المكان الذي أختاره , لا أصف فرحة الوالد والوالدة عندما علموا أنني سأقيم معهم ولم أتغرب لا سيما أنني أول أبنائهم الذكور .
لا أريد أن أطيل عليكم في مقدمة قصتي حتى لا تملوا .
بعد زواجي بفترة وجيزة ، اجتمعت مع بعض الأصدقاء والأحباب ، في منزل أحدهم كانت جلسة ثرية تنوعت مواضيعها الجميلة , المشوبة بالطرف النادرة والفكاهة البريئة والتعليقات على البعض .
تطرق أحد الشباب لموضوع الإنترنت وشخـّّص بعض حالات الشباب وانهماكهم في استخدام الشبكة العنكبوتية كيف استخدموها في إشباع غرائزهم .
كنت في ذلك الوقت منصتاً مستمعاً مردداً : إنا لله وإنا إليه راجعون . لا حول ولا قوة إلا بالله .
أسهب الإخوان في هذا الموضوع , وأنا مابين مستغرب ومتعجب .
أقول في نفسي أنا أملك حاسوباً , وأدخل الشبكة بين الحين والآخر ولم أجد ما يقولون من تلك الصور والمشاهد الخليعة .
في أثناء الكلام قلت لأحد الإخوان : كيف يستطيع الشباب الدخول لهذه المواقع ....
رد علي ّ بكل ثقة وتمكن : الأمر بسيط جداً ثم أخذ يشرح لي الطريقة التي سجلتها في ذاكرتي تسجيل الآلة . ويا ليتني لم أسمعه ولم أعي ما يقول !
لم أعلم أنني من ذلك المجلس سوف أدمر نفسي وأسعى في خرابها !
خرجت من هذا المجلس وقد تعاهدنا ألا يقطع أحدٌ منا الآخر .
ركبت سيارتي , ولا زال شرح صديقي يرن في مخيلتي , ويتكرر علي ّ إلى أن وصلت البيت ، استقبلتني زوجتي وابنتي , كما تستقبل الأرض الجرداء ماء المطر , جلست معهم بجسمي لكن عقلي بعيد ٌ عنهم , فلا زال كلام صديقي يمر ّ علي تكراراً وكأن الشيطان يحفظني إياه .
تظاهرت بالنوم ، ثم استعديت له .
ما إن استقر جسدينا على السرير ، ووضعت رأسي على الوسادة بدأت زوجتي تكلمني عن بعض الأمور التي دائماً ما نتكلم عنها ، لكني أشرت إليها بحالي أني لا أرغب بما تعودنا عليه فأنا أريد النوم , عندما أخلدت هي إلى النوم , إنسللت منها وخرجت بكل هدوء , قاصداً جهازي الحاسوب , لا يمكن أن أعبر لكم حالي هذه إلا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن "
لم أزني ولكني أحسست أني لست أنا أحسست أني في سكرة .. أني تجردت من كياني وشخصيتي .. نسيت ذاتي نسيت القرآن والدروس وهم الدعوة ... نسيت كل شيء لم يحضرني منها شيء جلست أمام الحاسوب , وبدأت في تشغيله ، فوراً اتجهت نحو الإنترنت ، أدخلت رقم بطاقة الشبكة ويدي ترتجف بدأت أنامي ترتعد والعرق يتصبب . وكلام الشباب حاضرٌ في مخيلتي ، والشرح الوافي من صديقي لم أنس منه شيء .
ثم بدأ التطبيق خطوة خطوة ..
بدأت المواقع تنهال علي من كل حدبٍ وصوب ٍ !
أشخصت بصري ! زاد خفقان قلبي !
علت عليّ ابتسامة الظفر عندما رأيت أول منظر .
كان منظراً تافها ً إذا قارنته بما رأيته من بعد .
لكني واصلت المسير وصرت كالقناص المترف الذي يبحث جاداً عن صيدٍ هو في غنىً عنه .
مضيت تلك الليلة في الانتقال من موقع لآخر كل منظر يدعوني لما هو أفسخ منه حتى أذن الفجر .
يا الله أذان الفجر الذي دائماً أتلذذ به , كنت أسمعه من قبل وأنا مستغرق في النوم فأقوم إلى صلاتي ، بل كنت أستمع إليه وأنا قائم أصلي ما تيسر لي من قيام الليل .
أذن الفجر هذه المرة ولم يعني لي هذه المرة أي شيء ، الموقع تلو الموقع , تضايقني كثيراً صفحة الحجب و يتمعر لها وجهي .
وددت لو أن العالم العاري كله أمام عيني .
يالله ما هذا الشغف ما هذا الجنون الذي أعيشه .
دقائق وصوت المؤذن يرتفع بالإقامة ، قمت وأنا لا زلت في شوق للمزيد . قمت وأنا أتابع بنظري الشاشة ، توضأت ثم عدت إلى الشاشة مرة أخرى أرقب مفاجآتها .
أسرعت إلى المسجد لعلي أدرك الجماعة ، أو أدرك الصلاة قبل السلام .
كانت هذه الصلاة بمثابة استرجاع لما رأيته آنفاً مرت علي كل الصور والمشاهد الخليعة التي رأيتها ، لم أعقل من صلاتي شيء .
بعد أن أنهيت الصلاة ، كررت راجعاً أستبق خطاي نحو جهازي ، استيقظت زوجتي ، وعلى وجهها علامات الإستغراب , هل نمت البارحة ؟ غريبة قاعد على الحاسب ؟ أردّ ُ عليها بكل برود : أنت ِ تعرفين هذا الكمبيوتر فتنة ، الواحد إذا فتحه ينسى نفسه .
قالت وقد ارتسمت على محياها ابتسامة جميلة يخالطها النعاس : بس ما تنساني ؟!
أشرقت الشمس ، واتضح النهار وأنا أخوض هذا البحر الهائج !
أشرقت شمس يومي على هذه الحالة , وقد كانت من قبل تشرق علي ّ وأنا في المسجد أتلو كتاب الله , وأذكره سبحانه .
سبحان مغير الأحوال . تغيرت حالي في سرعة عجيبة .
بعد أن أجهدت عيناي ، وبدأت أفقد الكثير من تركيزي بسبب الساعات الطوال التي مضت ، أغلقت الجهاز بعد أن حفظت الكثير من المواقع الخبيثة .
أسرعت إلى فراشي واستلقيت عليه ثم ابتسمت ابتسامة ً عريضة ، وبدأت تمر علي ما اختزلته في ذاكرتي من مشاهد السوء , كنت في سكرة ، لم أفق منها .
نسيت " الذين يخشون ربهم بالغيب " و " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم "
و " يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور "
و الكم الهائل من الأحاديث التي قد توقظني من سكرتي .
مر اليوم الذي يليه على هذه الحال ، كنت فيه أشره من سابقه ، كنت كالمجنون يبحث عن ليلاه .
تغيرت حالي وتبدلت أحوالي , دائما أفكر , أتهرب ، أتنصل من مسؤلياتي , أفرّعن بر أبي وأمي .
وفي غمرة السكرة ولجة الظلمة ، استيقظت ، وقلت في نفسي : أنا ماذا فعلت ؟؟؟ هل أنا مهبول ؟؟ لجأت إلى الله سبحانه , ندمت على ما فات أشد الدم .
كان وقع هذه المعصية كبيراً على نفسي ، بكيت وبكيت وبكيت في سجودي . وقيامي وركوعي .
ولكن النظرة كالجمرة تحرق وتبقي أثراً.
عزمت على ترك ما أنا فيه واستغفرت الله .
لكني - والأمر بيد الله والحكم حكمه – لا أزال أعاني من توارد تلك المشاهد والصور ، على تفكيري تشغلني كثيراً في أغلب أوقاتي ، ومع كثرة هذه الأفكار التي ترد عليّ وإلحاحها على ذهني ، وقعت في الفخ مرة أخرى !!!
نعم وقعت في الفخ مرة أخرى ! عدت لما كنت عليه بل صرت أكثر احترافاً ومقدرةً
أظلم قلبي ، وشغفت بتلك المناظر شغف الخليل إلى خليله .
كنت أظهر للناس بمظهري السابق ، الإلتزام ، الخلق الحسن ، حفظ القرآن ....
وكنت أبطن في نفسي الكم الهائل من المناظر والصور العارية لأجساد الكفرة والفسقة .
أتوب وألجأ إلى الله ، ثم أعود مرة أخرى , على هذه الحال مراراً وتكراراً !!
نذرت على نفسي النذور وأخذت عليها العهود والمواثيق ، ولكن لا جدوى , فدائماً قلبي مشغوف بالصور .
قلت في نفسي السبب جهاز الحاسوب ، هو الذي يعيني على هذه المعصية ، ثم إن جهاز المودم هو الوسيلة الوحيدة للاتصال بهذه المواقع .
أخذت مفتاحاً ثم قمت وأنا في حنق وغضب أكسر المودم وأهشمه حتى أيقنت أنه تعطل وأصبح لا جدوى له .
حمدت الله وشكرته إذ ، لا مواقع بعد اليوم .
بقيت في حال جميلة فقد عدت إلى ما كنت عليه من التقى والصلاح .
ولكن لا زالت المناظر التي رأيتها تُـعرض عليَّ ، ويمر طيفها على خيالي . لا أراها بعيني ، ولكن أرها في فكري , في ذهابي ، وإيابي ، حتى في صلاتي . عشت أياماً عصيبت , أصارع فيها نفسي , وشهواتي .
كنت المنهزم دائماً أمام نفسي فلا ألبث أن أعود مرة أخرى إلى ما كنت عليه والبحث عن مواقع السوء لا أخفيكم سراً ، أنني مع مرور الزمن لم أكن أتلذذ برؤية هذه الصورة لذة تذكر ، بل أحس أني أجر إليها جراً وأسعى إليها بلا سبب يدعوني إلى ذلك ، ناهيك عن الحسرات والآهات التي كنت أتجرعها !
لا أكتمكم أيضاً أن شؤم هذه المعصية بدأ يترآ لي بين الفينة والأخرى ، كانت المصيبة تأتيني وأقول في نفسي هذه والله المعاصي ، هذا من النظر إلى ما حرم الله ، هذا مصداق قول الله عز وجل : " وما أصابكم من مصيبة ٍ فبما كسبت أيدكم ..." الآية .
كم مرة حرمت من الرزق وأنا أراه يأتي إلي ، بل والله إني أرى بعض الأمور التي أسعى إليها من أمور الدنيا كترقية أو انتقال أو غيره ليس بين تحقيقها إلا اليسير ، ثم أرها تذهب عني ، وتنتقل إلى غيري وقد أعقبتني حسرة وندم .
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إن العبد ليحرم الرزق بسبب الذنب يصيبه ) .
أعود إليكم وأقول أنني مع ما أنا فيه من حال لم أترك الالتجاء إلى الله والتضرع إليه ، بل أكثر من العبادات صياماً وصلاة ً وتصدقاً وبراً . وبالأخص بعد كل توبة ٍ أجددها إذا استرسلت في غيي ، كنت أبكي في صلاتي بكاء الأطفال متضرعاً إلى الله أدعوه بأسمائه الحسني وصفاته العلى أن يغفر لي وأن يبعدني عن هذه الشهوة . أواضب على حضور المحاضرات والدروس ، أستمع كثيراً إلى كتابه .
فأنا وإن كنت ملطخاً بهذه المعصية إلا أن ذلك لا يمكن أن يبعدني عن ربي ؛ حيث لا ملجأ من الله إلا إليه . والأمر أمره والقضاء قضاؤه ضاق صدري وضاقت حيلتي ، قد يقول قائل : لماذا لا تبعد عنك الجهاز أو تبيعه وتستريح ؟ وأنا أقول : يا ليت ذلك ينفع وقد جربته مراراً .
كم من جهازٍ كسرته ، وخسارة خسرتها ، ومع كل ذلك أعود لما أنا عليه .
لا أخفي عليكم أني فكرة في الإنتحار أكثر من مرة ، ولكن الله سلم وقلت أيهما أعظم أن أقتل نفسي فأبوء بالإثم العظيم ، أم أجاهد نفسي عن هذه المعصية.
لكل شيء نهاية ولكل أمر مستقر .
كثرت علي المصائب وتوالت على الخسائر المالية ، وكثرت التعقيدات التي لا أعلم من أين تأتي ، أصبحت محطم الكيان ، دائم التفكير لا أعلم كيف أنجو وكيف أخرج من هذا الكهف المظلم .
مر حديث النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : ( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا )
قلت في نفسي هل كل أعمالي التي أعملها لله وأسعى في أن تكون خالصة له ستذهب هباءً منثوراً يوم القيامة ؟
كانت الصدقة والصلاة من العبادات المحببة إلى قلبي : حفرت بئراً في إحدى الدول الإسلامية وكفلت فيها حلقة لتحفيظ القرآن الكريم ، وكفلت يتيماً ، لا أرد من يسألني مالا ً سواءً صدقة ، أو قرضاً ، كنت مقصد إخواني وأحبابي فيما يعترض لهم من حاجة .
لا أريد أن أباهي بما عملت ، أو أعجب به ولكن هل هذا كله سيذهب هباءً منثوراً يوم القيامة ، عندما يستظل الناس في ظل صدقاتهم يوم الحر الشديد ، آتي أنا أبحث عن صدقاتي فأجدها هباءً منثوراً .
يحرمني الله عز وجل من مصاحبة نبيه عندما قال صلى الله عليه وسلم : ( أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين ...) بكيت على حالي ، وندمت على ما عملت ، هل هناك مقارنة بين لذة الساعة والساعتين التي أمكث فيها أمام الشاشة لرؤية العاريات ً وبين رضا الله عز وجل والدخول في الجنة والسلامة من النار ؟!
كنت وأنا أعمل هذه المعصية ، أبالغ في التحفظ والتأكد من أن أحداً لا يراني ، وأمحو من جهازي جميع ما يتبقى من صور أو روابط تدل على جريمتي .
غاب عني أن علام الغيوب يعلم ما أفعل ويسمع ويبصر!!
" يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله "
إن سمعت في البيت صوتاً ، وأمراً غريباً خفت وارتعدت ، ولم أخف من الحي القيوم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض والسماء يا الله ما أحلمك ! ما ألطفك بي !
مرت الأيام تلو الأيام ، وعندما بلغ الأمر منتهاه ، صارحت زوجتي بحالي ، وما أنا فيه .
تفاجأت المسكينة ، ونظرت إلى بنظرة استغراب واستحقار ، وكأني بها تقول لا أرى منك إلا كل خير فما الذي دهاك ؟ لقد شعرت بأني لا شيء ، وأني أحقر ما أكون !
طأطأت برأسي أمامها وقلت في أسى وحيرة : ما أدري ما أفعل ، لقد كنت منذ زمن بعيد وأنا على هذه الحال ....
وأنا أقرأ كعادتي في كتاب الله مررت بقوله تعالى : " إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير "
تأملت هذه الآية ووقفت عندها كثيراً كثيراً أمام معناها ، الذين يخشون ربهم بالغيب .
هل أنا منهم ؟ الغيب معناه ألا يراك أحد ، أن تكون غائباً عن الخلق فلا يراك أحد فتدعوك نفسك للشهوة ، ثم تقول إن كان أحدٌ لا يراني فالله يراني .
ليس لي نصيب ؟ من أجر هذه الآية إن أنا بت على ما أنا عليه !
لقد بدأ النور يشع في قلبي ، وبدت أزاهير التقوى تتزين في روحي .
عزمت على التوبة النصوح والندم الصادق ، توجهت إلى الخالق سبحانه ، بقلب منكسر ، ورح مفتقرة إليه ، ناديته تضرعت إليه ، توسلت إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى ، مرغت وجهي في السجود إليه ، ناديت : يا ربي يا خالقي ، إن لم تغفر لي وترحمني لأكونن من الخاسرين ، يا رب ليس لي ربٌ سواك فأدعوه ، ليس لي مَن ألجأ إليه إلا أنت ضاقت الأبواب إلا بابك ، يا رب اعصمني من هذه الفتنة التي أنا فيها يا رب إني فقير إليك ليس بي حول ولا قوة إلا بك .
ربنا كريم ربنا رحيم ، يجيب دعوة الداعي إذا دعاه ، في سجودي وقيامي وقعودي كان هذا همي وهذا دعائي ، أنتظر الفرج من الله الكريم فقد ضاقت بي الدنيا ، وأغلقت أبوبها في وجهي وليس لي إلا الله .
لا يفتر لساني من ذكره ، وقلبي من التفكر فيه سبحانه في آلائه ومخلوقاته ، الحمد لله انكشفت الغمة وزالت الظلمة ، تركت هذه المعصية وانسلخ قلبي من التعلق بها ، أحسست أني أولد من جديد ، استنار قلبي ، وانفرجت أسارير وجهي ، وتحسنت أحوالي .
أسأل الله العظيم بمنه وكرمة أن يرزقني شكر نعمته ، وأن يلزمني الطريق المستقيم ، والبقاء عليه ، وأن يحسن خاتمي ،،، هذه قصتي أقولها لكم ، كي تجتنبوا ما وقعت فيه ، ولتعلموا أن الله وحده هو المنجي فلا يتعلق أحد ٌ بغيره ، وهو يكشف الضر ويرفع البلاء ، وليعلم كل من وقع في الصور والمشاهد الخليعة أنه يقتل نفسه ، وينسفها إلى أسفل سافلين ،[/frame][/COLOR]

راجي عفو ربه
07-09-2008, 02:34 AM
الله يجزاك خير على ما اضفتِ


جاري قرائتها

اهااات الحربي
07-09-2008, 03:22 PM
نفعك الله وافادك 000سعدت بتواصلك

ابراهيم محمد الهلالي
07-09-2008, 05:27 PM
وفقك الله وزادك من فضله
شكر الله لك هذه الإضافة الموفقة

اهااات الحربي
07-10-2008, 03:54 PM
وفقك الله وزادك من فضله
شكر الله لك هذه الإضافة الموفقة


شيخي الفاضل 0
سعدت جدا بوجدك هنا بارك الله فيك

اهااات الحربي
07-11-2008, 12:58 AM
حينما رافقتني رائحة الموت لبضعة دقائق وبكى الناس من حولي وأيقنوا بالهلاك!!



المؤمن كالغيث


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اسأل الله لكم العون والسداد وأن ينفع بكم البلاد والعباد
استغلالا للإجازة الاستثنائية قررنا السفر جوا بالطائرة للأهل في مسقط رأسي
غير أني انشغلت عن تبكير الحجز لبعض الاختبارات المصيرية للوصول للدراسات العليا
ولم أجد حجزا إلا متأخرا وتأكد بصعوبة لكثرة المسافرين ..
يوم الاثنين قبل كتابة هذا المقال بيوم ..
استعدينا للذهاب عبر رحلة ليلية كانت موافقة لصلاة العشاء ..
دخلنا لطائرتنا وكانت مزدحمة جدا ..
كبارا وصغارا وشيوخا وعجائز وأطفالا ورضع نساء ورجالا ..
المهم وفوجئنا – للأسف بفتاتين – متبرجتين فيهما من السفه والسقط ما أشغل من كان حولهما
حتى أنا رغم أني متقدم عنهما ..
فأسمع الضحكات العالية والكلمات الساقطة نسأل الله لهما الهداية ..
ولما بدا المضيف في توزيع الجرائد ..
فطلبن وبصوت عالٍ مما أثار استغراب الجميع ..
قالا : بالله أعطينا (( الرياضية )) !!!
المهم استعدت ذهني وانشغلت فيما هو أمامي لتبدأ الرحلة وتأتي المفاجآت ..


********************


أذكار السفر رددها الناس مع المكبر المسجل بصوت الإعلامي محمد أحمد صبيحي
ثم .. شرعت الطائرة بعدما اتجهت الإتجاه المناسب لتثور محركاتها بصوت عال جدا
وتنطلق انطلاقة مسرعة لتخترق السماء والتي لم ننتبه حينها ..
أنها الجو غير مناسب للسفر حيث كانت الأمطار للتو قد انتهت في محل الإقامة
وبالنسبة للمدينة التي سأسافر لها فالسيول لا تزال بل وكان هناك من سيغرق
وساهم أحد إخوتي مع بعض الموجودين في إنقاذ هذه العائلة من الموت ..
لم تمض دقيقة على الإقلاع حتى نالنا هزة خفيفة من مطب هوائي
مؤذنا ببداية رحلة من نوع آخر وقد اعتدت السفر ولكن لم استعد لهذا النوع من المفاجآت
اقتربنا من بلدتنا وأمامنا 20 دقيقة تقريبا ..
وعلى غير ميعاد ..
نفاجأ بصوت ضرب أسفل الطائرة – هكذا ظهر لي –
لتهتز الطائرة اهتزازا قريا حركنا عن أماكننا جميعا .. أصابنا نوع خوف
وأول من صرخ ( الفتاتين ) .. صرخن وبكين بكاءا واضحا ..
والمفزع أنها مقدمة فقط
تخيلوا أطفئت الأنوار الداخلية .. الإنارة خافته
لتغلف السحب الكثيفة الطائرة تغليفا وعلى جناح الطائرة إضاءة قويا تنير بشكل متتابع يراها الناس في الأسفل
بشكل واضح ..
فأصبحت هذه الإضاءة تنير السحاب والسحاب يعكس علينا الضوء ..
فأصبح كالبرق يلمع لمعانا شديدا داخل الطائرة ..
كأنه إنذار وقد رافق هذا الفزع الإنذار الحقيقي فقد بدأت أصوات الإنذار تعلوا فوق رؤوس الركاب
لم يكن شيء أمامنا وبين عيوننا إلا خمسة أحرف .. لا زيادة ولا نقصان ..
(( الموت ))
التصقت بظهري على الكرسي لترتطم الطائرة بمطب هوائي آخر قوي جدا أحرف مؤخرة الطائرة واخفض
سرعتها بشكل ملفت والإضاءة تلمع داخل الطائرة تارة وصوت الإنذار يباغتنا بصوته المفزع تارة
فزع شديد .. أمامنا عجوز كبيرة أمسكت بالكرسي الذي أمامنا لعل الله رحمنا بها
لم نسمع لها صوتا ..
بدأ البكاء يعلو .. من بعض الموجودات والأطفال يخترق صمت الناس الرهيب مع الفزع
فلا نسمع إلا صوت المحركات المرعب ..
ظلام دامس وعسر في هبوط الطائرة كلما انخفض قليلا وجد من جبال السماء ما يردعه
وأصبحت قلوبنا هواء ودار في رأسي من الأفكار والمحاسبة ما غفلت عنه وأنا آمن
ضربات المطبات تتوالى وبكاء الناس يتوالى وتساوى عندنا احتمال الموت والحياة
من على ارتفاع كما يقولون :
ستا وعشرين ألف قدم ..


***********************


استمر هذا الموقف المرعب دقائق .. كالسنين
وتذكرت أمامي قوله تعالى : ((فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) ))
تذكرت أمامي كل تقصير وكل كلمة خرجت في غير موضعها ..
فيقطع هذا ضربة مؤلمة في جبال السماء السحاب تزيد القلب فزعا
تذكرت والدتي ووالدي .. إخواني
تذكرت الموتة التي نحن في الطريق إليها والتي تشتمل على أكثر من موتة
فما تقولون في ميت يسقط من هذا الإرتفاع وعلى صحراء مظلمة
فيقطع المحاسبة (( ضربة أخرى ))
آلآن ... ؟!
هذا وقت المحاسبة ؟!
الفتاتين التي خلفي هل سينفعهما تبرجهما ومحاولة إغراء ركاب الطائرة ..
كيف لقاء الله ؟؟


**************


كابوس مرعب .. دام فترة ليست بالطويلة زمنا ..
ولكنها عميقة تجربة ..
نزلنا عن جبال السماء لنرى أنوار مدينتنا ..
وجبال الأرض ..
هبطنا بسلام .. لأجد رجلا بجواري قد اجتمع معه كل عائلته
يسبح الله ويحمده وقد تنفس الصعداء بعد أن رآى الخوف في قلوب أبنائه وزوجته
ووالدته المسكينة .. الكبيرة ..
حمدنا الله ..
وأعدت النظر في حياتي واستغفرت لخطيئتي ..
ونزلنا من الطائرة البئيسة والتي لم أنظر إليها .. لأنها ذكرتني بالموت الحقيقي ..
فقلت في نفسي :
هل ينتظر الإنسان موقفا ينبه ؟؟
لم لا يعد العدة فقد رآى في غيره المواقف والعبر ..
كم قرأنا من حادث سير أهلك أسرة بأكملها كم قرأنا عن منزل سقط وطائرة سقطت لتفقد أشلاء الناس فيها
كم جار لنا مات وقريب وحبيب ؟؟
كم شيبة قد غزت مفارقنا ..؟؟
رسالة أوجهها لقلبي ولقلب كل قارئ ..
علها تحيي قلوبا ران عليها غفلة الغافلين ..
وغلفها إبليس بشهواته
كما غلفتنا السحب في الطائرة ..
وكما ستغلفنا الأكفان في المقابر ..
والحمد لله على سلامتنا جميعا وكل من نجا من غفلته ليعيد حساباته ويعيد ..

والله ولي التوفيق


الفقير إلى عفو ربه

المؤمن كالغيث

راجي عفو ربه
07-11-2008, 02:43 AM
هناك العديد منها هزني واهتز كياني لها


الله يجزاك خير ... وبإنتظار المزيد

اهااات الحربي
07-11-2008, 08:50 AM
وجزاك الله عني خير الجزاء
بل يوجد الكثير والكثير
فأنتظر

طالع الهلالي
07-13-2008, 04:46 AM
http://www.alasad.net/card/images/small/34.gif

http://www.alamuae.com/gallery/data/media/123/0636.gif

اهااات الحربي
07-14-2008, 10:55 AM
شاكره تواصلك أخي الكريم

الــمــوت حــق
07-15-2008, 02:00 AM
http://www.uaeboys.net/vb/imgcache/1161.imgcache

الــمــوت حــق
07-15-2008, 02:02 AM
http://www.uaeboys.net/vb/imgcache/1161.imgcache

اهااات الحربي
07-20-2008, 05:16 PM
وجزاك ربي خير الجزاء

اهااات الحربي
07-21-2008, 05:41 PM
نصف ساعة قضاها هذا الشاب بين أهل القبور !!



أبو خالد الزهيري


أكيد مجنون .. ‏ أو ان لديه مصيبة .. ‏ والحق أن لدي مصيبة .. أي شخص كان قد رآني متسلقا سور المقبرة في هذه الساعة من الليل كان ليقول هذا الكلام كانت البدايه عندما قرأت عن سفيان الثوري رحمه الله انه كان لديه قبرا في منزله يرقد فيه وإذا ما رقد فيه نادى ..) ‏ رب ارجعون رب ارجعون..( ‏ ثم يقوم منتفضا ويقول ها أنت قد رجعت فماذا أنت فاعل ..

حدث أن فاتتني صلاة الفجر وهي صلاة لو دأب عليها المسلم لأحس بضيقة شديده عندما تفوته طوال اليوم .. ‏ ثم تكرر معي نفس الأمر في اليوم الثاني .. ‏ فقلت لابد وفي الأمر شئ .. ‏ ثم تكررت للمرة الثالثه على التوالي ... ‏ هنا كان لابد من الوقوف مع النفس وقفة حازمة لتأديبها حتى لا تركن لمثل هذه الأمور فتروح بي إلى النار .. قررت ان ادخل القبر حتى أؤدبها ... ‏ ولابد أن ترتدع وأن تعلم أن هذا هو منزلها ومسكنها إلى ما يشاء الله ... ‏ وكل يوم اقول لنفسي دع هذا الأمر غدا .. ‏ وجلست اسول في هذا الأمر حتى فاتتني صلاة الفجر مرة أخرى .. ‏

حينها قلت كفى ... ‏وأقسمت أن يكون الأمر هذه الليلة ذهبت بعد منتصف الليل .. ‏ حتى لا يراني أحد وتفكرت .. ‏ هل أدخل من الباب ؟

‏حينها سأوقظ حارس المقبرة ... ‏ أو لعله غير موجود ... ‏ أم أتسور السور ..

‏ إن أيقظته لعله يقول لي تعال في الغد.. ‏ او حتى يمنعني وحينها يضيع قسمي ... ‏ فقررت أن اتسور السور .. ‏ ورفعت ثوبي وتلثمت بواسطة الشماغ واستعنت بالله وصعدت برغم أنني دخلت هذه المقبرة كثيرا كمشيع ... ‏ إلا أنني أحسست أنني أراها لأول مرة .. ‏ ورغم أنها كانت ليلة مقمرة .. ‏ إلا أنني أكاد أقسم أنني ما رأيت أشد منها سوادا ... ‏ تلك الليلة ... ‏ كانت ظلمة حالكة ... ‏

سكون رهيب .. ‏ هذا هو صمت القبور بحق تأملتها كثيرا من أعلى السور .. ‏ واستنشقت هوائها.. ‏نعم إنها رائحة القبور ... ‏ أميزها عن الف رائحه ..‏رائحة الحنوط .. ‏ رائحة بها طعم الموت ‏الصافي ... ‏ وجلست اتفكر للحظات مرت كالسنين .. ‏ إيه أيتها القبور .. ‏ ما أشد صمتك .. ‏ وما أشد ما تخفيه .. ‏ ضحك ونعيم .. ‏ وصراخ وعذاب اليم ..‏

ماذا سيقول لي اهلك لو حدثتهم ..‏ لعلهم سيقولون قولة الحبيب صلى الله عليه وسلم ( الصلاة وما ملكت أيمانكم )

قررت أن أهبط حتى لا يراني أحد في هذه الحاله .. ‏ فلو رآني أحد فإما سيقول أنني مجنون وإما أن يقول لديه مصيبه .. ‏ وأي مصيبة بعد ضياع صلاة الفجر عدة مرات .. ‏ وهبطت داخل المقبره .. ‏ وأحسست حينها برجفة في القلب .. ‏

والتصقت بالجدار ولا أدري لكي أحتمي من ماذا ؟؟؟ عللت ذلك لنفسي بأنه خشية من المرور فوق القبور وانتهاكها ... ‏ نعم أنا لست جبانا ... ‏ أم لعلي شعرت بالخوف حقا !!!

نظرت إلى الناحية الشرقية والتي بها القبور المفتوحه والتي تنتظر ساكنيها .. ‏

إنها أشد بقع المقبرة سوادا وكأنها تناديني .. ‏ مشتاقة إلي .. ‏ وجلست أمشي محاذرا بين القبور .. ‏ وكلما تجاوزت قبرا تساءلت .. ‏ أشقي أم سعيد ؟؟؟ شقي بسبب ماذا .. ‏ أضيّع الصلاة .. ‏أم كان من اهل الغناء والطرب .. ‏ أم كان من أهل الزنى .. ‏ لعل من تجاوزت قبره الآن كان يظن أنه أشد أهل الأرض .. ‏

وأن شبابه لن يفنى .. ‏ وأنه لن يموت كمن مات قبله ..‏ أم أنه قال ما زال في العمر بقية .. ‏ سبحان من قهر الخلق بالموت أبصرت الممر ...‏ حتى إذا وصلت إليه ووضعت قدمي عليه أسرعت نبضات قلبي فالقبور يميني ويساري .. ‏ وأنا ارفع نظري إلى الناحية الشرقية .. ‏ ثم بدأت أولى خطواتي .. ‏ بدت وكأنها دهر .. ‏ اين سرعة قدمي .. ‏ ما أثقلهما الآن ... ‏ تمنيت ان تطول المسافة ولا تنتهي ابدا .. ‏لأنني أعلم ما ينتظرني هناك ..

‏ اعلم ... ‏ فقد رأيته كثيرا .. ‏ ولكن هذه المرة مختلفة تماما أفكار عجيبة ... ‏ بل أكاد اسمع همهمة خلف أذني .. ‏ نعم ... ‏ اسمع همهمة جلية ... ‏

وكأن شخصا يتنفس خلف أذني .. ‏ خفت أن أنظر خلفي .. ‏ خفت أن أرى أشخاصا يلوحون إلي من بعيد .. ‏ خيالات سوداء تعجب من القادم في هذا الوقت ...‏

بالتأكيد أنها وسوسة من الشيطان ولا يهمني شئ طالما أنني قد صليت العشاء في جماعه فلا يهمني أخيرا أبصرت القبور المفتوحة .. ‏ اكاد اقسم للمرة الثانية أنني ما رأيت اشد منها سوادا .. ‏ كيف أتتني الجرأة حتى اصل بخطواتي إلى هنا ؟؟؟.. ‏ بل كيف سأنزل في هذا القبر ؟؟؟ ‏وأي شئ ينتظرني في الأسفل .. ‏ فكرت بالإكتفاء بالوقوف .. ‏ وأن اصوم ثلاثة ايام .. ‏ ولكن لا .. ‏ لن اصل الى هنا ثم اقف .. ‏ يجب ان اكمل .. ‏ ولكن لن أنزل إليه مباشرة ... ‏ بل سأجلس خارجه قليلا حتى تأنس نفسي ما أشد ظلمته .. ‏ وما أشد ضيقه .. ‏ كيف لهذه الحفرة الصغيرة أن تكون حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة .. ‏ سبحان الله .. ‏ يبدوا ‏أن الجو قد ازداد برودة .. ‏ أم هي قشعريرة في جسدي من هذا المنظر.. ‏ هل هذا صوت الريح ... ‏ لا أرى ذرة غبار في الهواء !!! هل هي وسوسة أخرى ؟؟؟ استعذت بالله من الشيطان الرجيم .. ‏ ليس ريحا .. ‏ ثم انزلت الشماغ ووضعته على الأرض ثم جلست وقد ضممت ركبتي امام صدري اتأمل هذا المشهد العجيبإنه المكان الذي لا مفر منه ابدا .. ‏ سبحان الله .. ‏ نسعى لكي نحصل على كل شئ .. ‏ وهذه هي النهاية ... ‏ لا شئ

كم تنازعنا في الدنيا .. ‏ اغتبنا .. ‏ تركنا الصلاة .. ‏ آثرنا الغناء على القرآن .. ‏ والكارثة اننا نعلم أن هذا مصيرنا .. ‏ وقد حذرنا الله ورغم ذلك نتجاهل ..‏ ثم أشحت وجهي ناحية القبور وناديتهم بصوت خافت... ‏ وكأني خفت أن يرد علي أحدهم يا أهل القبور.. ‏ ما لكم .. ‏ أين أصواتكم .. ‏ أين أبناؤكم عنكم اليوم .. ‏ أين أموالكم .. ‏ أين وأين .. ‏ كيف هو الحساب .. ‏

اخبروني عن ضمة القبر .. ‏ أتكسر الأضلاع ..‏ أخبروني عن منكر ونكير .. ‏

أخبروني عن حالكم مع الدود .. ‏ سبحان الله .. ‏ نستاء إذا قدم لنا أهلنا طعام بارد او لا يوافق شهيتنا .. ‏ واليوم نحن الطعام .. لابد من النزول إلى القبر قمت وتوكلت على الله ونزلت برجلي اليمين وافترشت شماغي ووضعت رأسي .. ‏ وأنا أفكر .. ‏ ماذا لو انهال علي التراب فجأة .. ‏ ماذا لو ضم القبر علي مرة واحده ... ‏ ثم نمت على ظهري وأغلقت عيني حتى تهدأ ضربات قلبي ... ‏ حتى تخف هذه الرجفة التي في الجسد ... ‏ ما أشده من موقف وأنا حي .. ‏ فكيف سيكون عند الموت ؟؟؟

فكرت أن أنظر إلى اللحد .. ‏ هو بجانبي ... ‏ والله لا أعلم شيئا أشد منه ظلمه .. ‏ ويا للعجب .. ‏ رغم أنه مسدود من الداخل إلا أنني أشعر بتيار من الهواء البارد يأتي منه .. ‏ فهل هو هواء بارد أم هي برودة الخوف خفت أن انظر اليه فأرى عينان تلمعان في الظلام وتنظران الى بقسوة .. ‏ أو أن أرى وجها شاحبا لرجل تكسوه علامات الموت ناظرا إلى الأعلى متجاهلني تماما .. ‏ او كما سمعت من شيخ دفن العديد من الموتى أنه رأى رجلا جحظت عيناه بين يديه إلى الخارج وسال الدم من أنفه .. ‏ وكأنه ضرب بمطرقة من حديد لو نزلت على جبل لدكته لتركه الصلاة ... ‏ ومازال يحلم بهذا المنظر كل يوم .. ‏ حينها قررت أن لا أنظر إلى اللحد ..‏ ليس بي من الشجاعه أن أخاطر وأرى أيا من هذه المناظر .. ‏ رغم علمي أن اللحد خاليا .. ‏ ولكن تكفي هذه الأفكار حتى أمتنع تماما وإن كنت جلست انظر إليه من طرف خفي كل لحظة ثم تذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إله إلا الله إن للموت سكرات تخيلت جسدي يرتجف بقوه وانا ارفع يدي محاولا إرجاع روحي وصراخ أهلي من حولي عاليا أين الطبيب أين الطبيب ( فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين )

تخيلت الأصحاب يحملونني ويقولون لا إله إلا الله ... ‏ تخيلتهم يمشون بي سريعا إلى القبر وتخيلت صديقا ... ‏ اعلم انه يحب أن يكون أول من ينزل إلى القبر ..

‏ تخيلته يحمل رأسي ويطالبهم بالرفق حتى لا أقع ويصرخ فيهم .. ‏ جهزوا الطوب ... تخيلت احمد ..‏ كعادته يجري ممسكا إبريقا من الماء يناولهم إياه بعدما حثوا علي التراب .. ‏ تخيلت الكل يرش الماء على قبري .. ‏ تخيلت شيخنا يصيح فيهم ادعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل .. ‏ أدعوا لأخيكم فإنه الآن يسأل ثم رحلوا وتركوني

وكأن ملائكة العذاب حين رأوا النعش قادما قد ظهروا بأصوات مفزعة .. ‏ وأشكال مخيفة .. ‏ لا مفر منهم ينادون بعضهم البعض .. ‏ أهو العبد العاصي ؟؟؟
‏فيقول الآخر نعم ..‏ فيقول .. ‏ أمشيع متروك ... ‏ أم محمول ليس له مفر ؟؟؟
فيقول الآخر بل محمول إلينا ..‏ فيقول هلموا إليه حتى يعلم إن الله عزيز ذو انتقام رأيتهم يمسكون بكتفي ويهزونني بعنف قائلين ...‏ ما غرك بربك الكريم حتى تنام عن الفريضة ..‏ أحقير مثلك يعصى الجبار والرعد يسبح بحمده والملائكة من خيفته ... ‏ لا نجاة لك منا اليوم ...‏ أصرخ ليس لصراخك مجيب فجلست اصرخ رب ارجعون .... ‏ رب ارجعون ... ‏ وكأني بصوت يهز القبر والسماوات يملأني يئسا يقول ( كلاّ إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون )

حتى بكيت ماشاء الله ان ابكي .. ‏ وقلت الحمد لله رب العالمين ... مازال هناك وقت للتوبة استغفر الله العظيم وأتوب إليه ثم قمت مكسورا ...‏ وقد عرفت قدري وبان لي ضعفي وأخذت شماغي وأزلت عنه ما بقى من تراب القبر وعدت وأنا أقول سبحان من قهر الخلق بالموت

خاتمة
من ظن أن هذه الآية لهوا وعبثا فليترك صلاته و ليفعل ما يشاء ( أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون )
‏وليلهو وليسوف في توبته .. فيوما قريبا سيقتص الحق لنفسه وويل لمن كان خصمه القهار ولم يبالي بتحذيره

اهااات الحربي
07-21-2008, 05:44 PM
وماذا لو كنا سبع بنات ؟


- ما شاء الله.. سبع بنات؟!!

لا أعرف لماذا كان وجهي يحمر خجلاً وأرد بحياء وبصوت أقرب للهمس..
نعم..

يا حلييييييييييلكم..

كنت أشعر أن نظرات زميلاتي وصديقاتي حين يعرفن عددنا تتجاوز الاستغراب نحو شيء من الاستطراف أو الاستهزاء.. رغم أني أحاول أن أقنعهم أن وضعنا عادي ولا غرابة فيه..

وكان السؤال الجارح الآخر..
- غريبة ما يتزوج أبوك على أمك..؟!

وأحاول أن أقنعهم مرة أخرى أن أبي يحبنا كثيراً وقد نسي الآن موضوع الولد.. ولم يعد يرغب بإنجاب المزيد..
لكن نظراتهم وأسئلتهم السخيفة أو تلميحاتهم نادراً ما تتوقف..

* * *

حين نستعد للذهاب لزواج أو لمناسبة اجتماعية كبيرة فإني أشعر بحرج كبير من الذهاب مع أخواتي.. فمنظرنا يثير نظرات الآخرين كثيراً.. كما يثير شفقتهم واستعطافهم المزعوم علينا..

أجلس على الطاولة محفوفة بأخواتي من مختلف الأعمار.. تمر ابنة عمي مها.. تسلم مع ابتسامة استهزاء..
ما شاء الله كالعادة!.. لوحدكم تملؤون طاولة كاملة..!

كم أكره أسلوبها النزق هذا.. تعاملنا بدونية وكأننا مخلوقات مختلفة.. وكأنها تعتقد أننا سعيدات بوضعنا هذا..

نضطر لمراقبة سلوكنا وتصرفاتنا كثيراً.. يجب ألا نسير معاً ولا نقف معاً وحين تذهب أمي لمكان ما علينا ألا نتبعها جميعاً فنبدو كقطار طريف.. بل نقوم على فترات زمنية متباعدة..

كنت أشعر بأخواتي كقيد يخنقني ويضطرني لأن أشعر بشيء من الدونية والحرج أمام الآخرين..
إنهن بريئات لا ذنب لهن.. لكني بت أشعر بشيء من المقت لهن لما يضعنه على كاهلي من ثقل وشعور بالخجل..

أقنعت أمي أن نضع لنا دوراً للذهاب لبعض الزيارات العائلية حتى لا نثقل كاهل من نزورهم أو نشعرهم بكثرتنا.. وجعلني هذا الأمر أقل حرجاً أمام الآخرين.. لكنه لم ينه مشكلتي التي تزداد كلما كبرت وأصبحت أكثر حساسية من نظرات الآخرين وتلميحاتهم..

بطريقة ما استطاعت نظرة مجتمعي الذي يحيطني أن تجعلني أشعر بالاكتئاب وعدم الرغبة في الخروج.. كنت أنظر لصديقاتي وطريقة حديثهن عن حياتهن فأشعر بالغبطة..
كل واحدة تتحدث عن أمها وكأنها وحيدتها.. خرجت مع أمي.. قلت لأمي.. نفكر أنا وأمي في موديل فستاني..
وهكذا..
وإن حصل كانت هناك أخت أو أختان أو بالكثير ثلاثة.. وهما أكبر بكثير أو أصغر بكثير..
لكن بالنسبة لي فالأمر مختلف..
أنا محاطة بستة أخوات يشاركنني كل شيء.. بدءاً من رعاية والديّ..
فأنا لم أحصل يوماً على انتباه أو اهتمام والديّ لذاتي.. دائماً أسمع الخطاب الجماعي.. أنتن.. سنأخذكن.. سنذهب بكن.. فنحن بالفعل قبيلة أو جيش نسائي كما يطيب لمها ابنة عمي أن ترمي بتلميحاتها السخيفة..

إذا أردت شراء شيء لي.. فيجب أن يتم شراء مثله للجميع.. وإذا أردت الذهاب لمطعم راقٍ مع والديّ فعلينا أن نذهب جميعاً بدءاً بي وانتهاء بجود ذات الأربعة أعوام.. وهنا يصبح المكوث في المطعم مستحيلاً في ظل القرقعة والإزعاج والبكاء والمشاجرات اللافتة للنظر..

أما حين ذهبنا للعمرة العام الماضي فقد كان منظرنا لافتاً بصدق ونحن نسير خلف والدي كالطابور..

كنت أتمنى لو يصبح لي أخ مثل غيري.. أخ أرسله للبقالة.. أو أجعله يخرج ليستلم طلبية التوصيل من المطعم.. يحدثني عن مدرسته ومشاغباته..
بل إنني أتمنى أحياناً أن يكون لي أخ ليراقب تصرفاتي وعباءتي فأضحك في سري عليه وأنا أطيعه بلذة عجيبة..
لكن هذا الأخ عبثاً لم يأتِ.. وبقي حبيس الأحلام كأشياء أخرى كثيرة..

كنت وثلاث من أخواتي قد وصلنا لسن الزواج.. لكن نصيبنا لم يأت بعد لأسباب لا يعلمها إلا الله..
لم يتقدم إلينا خاطب بصفات معقولة – ولا أقول ممتازة.. كانت أمي تنتظر اليوم الذي تزوجنا فيه وتشعرنا بالسعادة.. لكن شيئاً من ذلك لم يكن بيد أمي ولا أبي.. فهو بيد الله سبحانه وتعالى.
معظم القلة الذين تقدموا لي كانوا إما كباراً في السن أو لهم سوابق أخلاقية أو أنهم لا يصلون.. أو ليس لديهم عمل ثابت كعبد الله ابن عمي فكيف أغامر بحياتي معه؟
لكن زوجة عمي لم تتركنا في حالنا بعد أن رفضنا بأدب شديد ولدها الذي لم يكن عيبه الوحيد أنه لا يعمل.. ولا أنه لم يكمل دراسته، بل هو يدخن ومحاط برفقة السوء هداه الله.. فكيف تريدني هداها الله أن أوافق على ابنها هذا؟
لقد اتفقنا أنا وأمي وأبي على أنه لا يصلح للزواج.. وبقائي مكرمة في بيت أهلي أفضل من أغامر لأعود مطلقة أو أحمل في أحضاني طفلاً بريئاً لا ذنب له..
لكن زوجة عمي لم تقتنع بكل كلامنا وبدأت حرباً شعواء علينا.. أفرغت خلالها كل ما في جعبتها من عبارات حادة وجارحة بحقنا.. قالت إن أمي عليها أن تبدأ في تسويق هؤلاء البنات قبل أن يتجمعن على قلبها – كما تقول.. فهناك نصف دستة من البنات ينتظرن دورهن خلفي!!.. وقالت أن من لديه مثل هذا العدد من البنات عليه ألا يتشدد في شروط الزواج بل يعطيهن لأول طارق!
جرحتني هذه الكلمات أكثر مما فعلت مع أبي أو أمي.. ربما لأن لديهم شيئاً من الجلد وقوة التحمل.. أما أنا فلم تساعدني حساسيتي المفرطة على تحمل هذا الكلام.. وأخذت أبكي ليالٍ طويلة..

وكانت هذه الهجمة سبباً في أن أفكر في وضعي – أو وضعنا- جيداً.. وأعيد حساباتي جيداً.. لماذا علينا أن نتحمل كل هذه الإهانات ورأسنا منكس؟

نظرت لنفسي فإذا أنا فتاة خلوقة ولله الحمد.. مستقيمة بإذن الله.. متفوقة في دراستي.. محبوبة ممن حولي.. وكذلك أخواتي فهن جميعهن صالحات مؤدبات خلوقات.. يثرن إعجاب الجميع بنشاطهن وتفوقهن..
أي فخر هذا لأبي وأمي؟
لماذا نترك للآخرين الفرصة ليشعرونا بالنقص.. ونحن ربما أفضل منهم بكثير..

فكرت في بيت عمي.. ماذا لديهم ليشعرونا بالدونية؟
ثلاثة أبناء فاشلين في دراستهم عابثين متخرجين من مقاهي الشيشة.. وثلاث بنات مرفهات متعجرفات.. لا يعرفن لاحترام الآخرين قيمة.. جل وقتهن يشغلنه بأحاديث هاتفية مشبوهة.. وتبادل أشرطة الأغاني مع صديقاتهن..
سبحان الله..
زوجة عمي نفسها.. لم تحظ يوماً ببر أحد من أبنائها أو بناتها أو اهتمامهم وكثيراً ما اشتكت من سوء أدبهم وتعاملهم معها.. فلماذا تحاول أن تظهرنا نحن بمظهر الأضعف والأقل.. ألأن الله شاء ألا يكون بيننا أخ ذكر؟ فقط لهذا؟ يا للتفكير السطحي السخيف؟

وكأن الله شاء أن تكون هذه المصيبة فرصة لأن أشكر الله على نعمته علينا وأن نكسر قيد الضعف الذي كان يحني رقابنا..

شعرت بعد جدال طويل مع نفسي أني أولد من جديد وأزيل عن نفسي بقايا عالقة من تفكيري السابق وأتخلص من تلك الخيوط اللزجة التي كانت تحيطني وتقيدني عن الكثير وتمنعني من أن أرفع رأسي أمام الآخرين..

لم أكن أصدق إن إنساناً يمكن أن يتغير بين ليلة وضحاها لكني تغيرت هكذا.. لم أعد أشعر بذلك النقص من نظرات الناس لأخواتي.. بل انقلب هذا الشعور إلى فخر حين أنظر لأخواتي بمظهرهن الجميل وحديثهن المثقف المهذب الرقيق.. وتذكرت أنه لم يضر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كان كل نسله من البنات ولم يعش له ولد.. ويكفينا فخراً أننا نستر والديَّ عن النار لأنهما أحسنا تربيتنا بإذن الله..

استغربت أخواتي من التغير الذي طرأ علي فقد بدت الثقة في طريقة حديثي وتصرفاتي، وأنا التي كنت أزرع في نفوسهن الشعور بالنقص والدونية وأردد أمامهن دائماً أني أخجل من ظهورنا معاً وغير ذلك..

ربما ظهر هذا الشعور في داخلي كحاجة فطرية ماسة لمقاومة كل ذلك الهجوم من زوجة عمي وابنتها وغيرهن ممن يحاولن إهانتنا لإرضاء نفوسهن المريضة. لكنه كان شعوراً عارماً وقوياً وسرى في نفسي مثل نهر نبع فجأة في أعماق الصحراء.

أصبحت أشجع أخواتي على الظهور معاً ولا أجد في ذلك أدنى غضاضة، وأحاول أن أزرع فيهن الثقة بأنفسهن والحب والافتخار ببعضهن البعض، بدلاً من التقوقع حول ذاتنا ولوم بعضنا البعض على شيء قدره الله لنا..

وكلما نظرت لأسرتنا وتماسكها ومحبتها لبعضها البعض ورقيها الأخلاقي حمدت الله حمداً كثيراً.. لأن سعادة الإنسان تتبع من رضاه الداخلي وليس من نظرات الناس وأحاديثهم.. حتى لو كنا أكثر من سبع بنات..


**
مجلة حياة العدد (55) ذو القعدة 1425هـ

اهااات الحربي
07-21-2008, 05:46 PM
ليلة طلاقي



وقفت طويلاً أمام الباب الذي طالما طرقته وفتحته.. لكن هذه المرة مختلفة.. مختلفة جداً..
نظرت إلى الساعة.. إنها الثانية عشرة إلا خمس دقائق ليلاً..
شعرت بالخوف.. والخجل من نفسي..
ماذا سأقول.. لأمي.. أبي.. يا ربي أعني..
حاولت أن أبتلع دموعي المالحة.. وأخذت نفساً طويلاً لأستطيع الحديث..
شعرت بالتردد والخوف الشديد مما أقدم عليه.. بل شعرت بالحزن على والديّ.. أشفقت عليهما وعلى نفسي..
نظرت خلفي لعلي أتراجع وأعود.. فإذا به قد ابتعد بسيارته ينتظرني أن أدخل بأسرع وقت ليغرب عن وجهي..
أمسكت مقبض حقيبتي جيداً.. وطرقت الجرس.. مرة أخرى طرقته ولا مجيب.. لابد أنهم نائمون..
يا ربي..
وبعد عدة دقائق.. فتح أخي الباب..
- ماذا هناك؟ خيراً إن شاء الله؟!
لم أعرف ماذا أقول.. هل أتصنع وأذكر أسباباً واهية أم أواجهه بالحقيقة..
- لا شيء.. غداً أخبركم بما حصل..
سكت أخي وهو مستغرب بينما مضيت لغرفتي أسحب حقيبتي.. وشيئاً من فتات نفسي المحطمة.. التفتُّ إليه..
- ششش!.. أرجوك لا توقظ أمي ولا أبي..
ودخلت غرفتي وأنا منهكة تماماً.. منهكة من الألم والخيبة..
نظرت إليها.. لأول مرة أرى غرفتي دافئة وآمنة بهذا الشكل..
كانت مرتبة نظيفة وكأنها تنتظرني لتحضنني..
أحكمت قفل الباب..
ورميت نفسي على سريري لأرتاح.. ولحظتها شعرت أني أدخل دوامة كبيرة..
كنت غير مصدقة لما حصل..
كانت الكلمة تتردد في ذهني كصدى من حلم مخيف وتدور بي بشدة.. (أنت طالق.. طالق..)..
حاولت أن أسترجع الأحداث لكنها كانت لا تصدق.. وكأنها مقطع من فيلم كرتوني خيالي.. لا يمكن..! قبل ثلاثة أشهر فقط.. كنت هنا.. الابنة المدللة.. نعم.. طفلة والديها.. لديها ألعاب وكراسة رسم وألوان كثيرة..
لمحت دفاتري الصغيرة على الرف ومذكراتي هنا وهناك.. وهذه الألعاب والتحف اللطيفة.. لا زالت موجودة..
كنت مجرد فتاة صغيرة بريئة.. لا تعرف عن عالم الكبار أشياء كثيرة..
والآن.. ماذا حدث؟ هل يمكن.. أنا مطلقة..؟! هكذا؟!
شعرت بألم في صدري.. في قلبي تماماً حين تخيلت الصدمة.. آآآآه.. كم هي مؤلمة..
أحتاج من أبكي بين يديه.. وأبكي وأبكي..
دفنت رأسي في وسادتي وبكيت حتى شعرت أن جسمي كله يرتعش من الألم..
وبعد أن ارتويت من الدموع.. بدأت أفكر بما آلمني أكثر..
كيف أواجه أهلي.. ماذا أقول لهم.. كيف أشرح لهم ما حصل وكيف صبرت عليه وعلى تصرفاته الطائشة منذ أول يوم؟.. كيف سأواجه نظرات الآخرين وفضولهم؟.. زميلاتي في الجامعة.. إنهن يعتقدن أني سعيدة تماماً في حياتي فكيف أخبرهن..
كيف أخبر أعمامي وخالاتي.. كيف أواجههم؟ بل كيف أواجه بنات أعمامي وأخوالي؟
يا ربي ثبتني.. يا رب..
لم أشعر بالحاجة الماسة لمن يحتويني ويمسح على رأسي بحنان كما احتجته ليلتها.. لمن أشكو؟ لمن ألجأ؟
بكيت طويلاً لكني وجدت أن البكاء يزيد ألمي ولا يخففه.. ففي كل نوبة بكاء طويلة كنت أشعر بآلامي تتجدد وجروحي تنزف أكثر.. وتظهر المزيد من المواقف المؤلمة أمام عيني.. لكني لم أكن أستطيع التوقف..
بكيت على حالي والذل الذي عانيته لأحافظ على زواجي.. وعلى حال أهلي الذين يترقبون السعادة في وجهي.. بكيت على طفولتي وحياتي التي تغيرت تماماً.. بكيت على الثمن الذي دفعته من شبابي وعمري.. وبكيت على الخناجر المسمومة التي غرسها النذل في قلبي الطاهر المحب.. وعلى كبريائي الذي أهنته من أجله كثيراً..
وكلما شعرت بالأسف على نفسي أكثر كلما بكيت أكثر..
ولوهلة تمنيت الموت..
نعم.. إنه أفضل حل للتخلص من هذا الموقف المؤلم..
تمنيت لو أموت لحظتها فأرتاح من هذا الهم.. وأريح أهلي.. ولعلي أغرس في قلبه بعض الألم فيشعر أنه السبب في موتي من شدة الحزن والقهر.. ويشعر أهله أيضاً بفداحة تعاملهم القاسي معي..
تحمست لهذه الفكرة..
وقررت أن أتوجه الآن لمصلاي وأدعو الله من كل قلبي أن يأخذ روحي الليلة..
اتجهت لحمامي في هدوء وتوضأت..
وحين عدت لغرفتي لمحت شبحاً في مرآتي.. نظرت إليه.. يا إلهي!! ما هذا.. إنها أنا!!
كان وجهي محمراً ومتورماً بشدة من البكاء.. عيناي حمراوان كالدم.. وحاجباي مرتفعان وغير مرتبان.. وأثر صفعته الأخيرة ترك زرقة على عظمة خدي.. شعري منكوش بشعر مخيف.. يا ربي.. أهذا أنا؟!
كنت أشبه الشيطان وإن لم أره!
استغفرت الله!.. ولم أعرف هل أضحك أم أبكي؟!
أمسكت المشط وسرحت شعري وربطته..
وشعرت بالحاجة لوضع شيء من عطر.. فتحت الدرج.. كان هناك زيت زهور اللافندر الذي أحبه.. وضعت شيئاً منه فأشعرني براحة واسترخاء.. يا سلام..
ضحكت في سري.. هذه حصوص التي أعرفها..!
نسيت أني كنت متوجهة لسجادتي..
ذهبت إليها.. ارتديت ثوب صلاتي.. وحين وقفت لأصلي أخذت أفكر..
هل أطلب من الله فعلاً أن يأخذ روحي؟!
أليس هذا عيباً.. أن أيأس وأقنط من الحياة بهذه السرعة.. وبسبب من؟ بسبب إنسان حقير لا يستحق شعرة من شعر رأسي الجاف؟!
سبحان الله.. لقد سمعت يوماً أن الروح ملك الله وليست ملكنا.. وعيب أن ندعو الله لأخذها وكأننا نطلب منه أن يسترد هبته وهديته سبحانه..
لكن طالما أنا هنا وفي مصلاي.. لم لا أطلب منه سبحانه أن يثبتني ويطمئن قلبي ويوفقني لما فيه خيري.. وأن يرزقني زوجاً خيراً من ذلك الزوج..
صليت ركعتين حاولت أن أخشع فيهما.. فشعرت بطمأنينة منعشة تروي قلبي وجوارحي وتغسل آلامي.. ما أجمل أن يشعر الإنسان أنه قريب من ربه.. أنه معه في كل مكان يسمع شكواه ويجيب دعاءه.. بقيت أناجي الله وأشكو له وأشكو من كل قلبي.. رجوته ودعوته بكل ما أريد.. وأنا هنا.. في غرفتي الصغيرة.. كنت موقنة أنه يسمعني وأنه سيجيب دعواي.. وأنه سينصرني ولو بعد حين لأني مظلومة.. فشعرت براحة.. الراحة المنبثقة من معرفتي بوجود أحد يقف معي ويساندني.. وأي أحد.. إنه الواحد الأحد.. القوي العزيز..

كنت كطفل ضائع وجد أباه في سوق مزدحم بعد أن كاد الظلام يحل وهو لا يكف عن البكاء..
(ولله المثل الأعلى).. كان هذا شعوري.. كنت خائفة وحيدة مرتبكة.. والآن.. كلا.. أنا مرتاحة واثقة بإذن الله..
حين انتهيت.. نظرت حولي.. أشرطتي الدينية.. كتيباتي.. منذ متى لم أطلع عليها؟ .. منذ زواجي.. نعم..
كم أشعر بشوق كبير لها..
أدركت حقاً أن الإنسان كلما ابتعد عن ربه كلما شعر بالضعف والوحدة مهما بدا عكس ذلك.. وكلما اقترب منه سبحانه كلما شعر بالقوة والثقة..

في الصباح كنت متماسكة تقريباً.. رويت لأهلي كل شيء بثبات.. لم أكن خائفة كثيراً.. حاولت ألا تهزني نبرة والدي الحزينة وهو يردد (لا حول ولا قوة إلا بالله).. ولا دموع أمي وهي تسمع كيف أصف لها الضرب الذي كنت أتعرض له على يده.. تماسكت بقوة حتى لا أبكي ولا تفلت مني بعض الدموع.. وحين انتهيت ضغطت على نفسي لأبتسم وأنا أقنعهم أن هذا قدر الله المكتوب لي والحمد لله أني خرجت من التجربة دون حمل وأنه طلقني من تلقاء نفسه دون أن يتعبنا معه في المحاكم.. فالحمد لله..

كانت التجربة قاسية جداً لي.. لكني اعتبرتها أقوى اختبار مر علي في حياتي.. وأرجو من الله أن أكون قد نجحت في اجتيازه.. فقد استطعت مواجهة زميلاتي وصديقاتي بوجه باسم راضٍ وأنا أحمد الله.. كما تحملت تصرفات أولئك اللاتي أثبتن رداءة معادنهن حين تركن صحبتي.. واستطعت مواجهة قريباتي وصد أسئلتهن الفضولية بكل صرامة وأدب في نفس الوقت..
أصبحت أهتم بمظهري وصحتي، وحتى ثقتي بنفسي لا أعرف كيف ازدادت بفضل الله..
واستمريت أحصد النجاح في حياتي ودراستي ولله الحمد.. والآن ها أنا ذا معيدة في كليتي.. وأحضر للدراسات العليا.. محبوبة من كل من حولي ولله الحمد.. والأهم أني محافظة على علاقتي بربي دائماً بإذن الله.. لأني أعرف يقيناً أنه هو مصدر قوتي وثباتي.. وسر سعادتي..

اهااات الحربي
07-21-2008, 05:49 PM
وجه يلسع .. وورقة اختبار




- خلاص يا بنات؟.. غداً الاختبار.. ادرسوا جيداً.. من لا تحصل على درجة عالية الآن لن تستطيع الحصول على معدل جيد فيما بعد.. عشرون درجة على هذا الاختبار.. انتبهوا!!

بعد هذه التهديدات المرعبة من أبله حصة.. شعرت بقشعريرة تسري في جسدي وخوف بارد يشل أطرافي.. حتى معدتي انقبضت بقوة..
كم أكره الاختبارات.. كم أكرهها..
حين عدت للبيت.. كنت أشعر باكتئاب وضيق شديد..
توجهت نحو سريري بسرعة واستلقيت عليه قبل حتى أن أخلع عباءتي..
دفنت رأسي في الوسادة وأنا أكاد أبكي..
أريد أن أهرب..
بكل صدق.. أريد أن أهرب.. واختبئ بعيداً عن الاختبارات وما يتصل بها..
لا أريد أن أختبر.. لا أريد الخوف.. لا أريد قلق انتظار النتيجة..
كنت أشعر بالغثيان حين دخلت والدتي تدعوني للغداء.. لكن هذا كان آخر ما أفكر فيه..
- لا أريد شيئاً أرجوك يا أمي..
نظرت إلي أمي بحزن فقد عرفت أن هناك اختباراً في الأجواء..
- لا يصح هذا يا بنيتي.. إلى متى تشعرين بالرعب والخوف من الاختبارات.. لقد كبرت..
ليس هناك من يفهمني..
بكيت كثيراً وأنا أقول لهم.. أن خوفي من الاختبارات أمر خارج عن يدي.. شيء لا دخل لي فيه.. مرض قاتل أدعو الله أن يشفيني منه.. لكنهم يعتقدون أني أتحكم بحالتي ونفسيتي..
- أمي.. أرجوك.. أرجوك.. أريد أن أبقى لوحدي..
تنهدت أمي وأغلقت الباب ثم خرجت..

* * *

تعود بي ذاكرة سرابية لمشهد قديم تفوح منه رائحة الطباشير..
فصل صغير.. مقاعد متراصة.. طاولات مهترئة امتلأت بالرسومات وببعض قطع العلكة المتيبسة..
- يا الله يا بنات.. نتائج الاختبار..
تصرخ أبله منيرة بحدة على هذه الكائنات الغضة التي خرجت للتو من أحضان أمهاتها..
ثم تبدأ في سرد الدرجات مع التعليقات المناسبة
- في نظرها..
- ندى عبد المحسن..
وتنظر إلي نظرات أقرب ما تكون لنظرات النمر حين يلمح فريسته ويراقبها.. هكذا أتذكر.. ثم تهز فجأة رأسها باستهزاء..
- يا سلام يا ندى.. يا سلام على الدرجة الحلوة..
- تعالي هنا يا ندى..
من شدة خوفي منها مكثت في مكاني.. لم أملك القدرة على التحرك..
فزأرت بقوة..
- أقول تعالي ما تسمعين.. يا (حيوا..)..
كنت أرتعش وأنا أقوم من مكاني.. وكأني أتجه لمصيري المحتوم..
أوقفتني قرب السبورة أمام التلميذات وهن ما بين المتهامسات والضاحكات أو الخائفات من مصير مشابه لمصيري..
في تلك اللحظة أتذكر أني كنت أريد أمي.. أريدها بأية وسيلة.. أريد أن أهرب من الفصل إليها..
أخرجت المعلمة معي ثلاث طالبات.. ثم أخذتنا أمامها كالخراف الصغيرة نحو العقاب..
وكان العقاب.. هو..
أن تدور بنا على كل فصول المدرسة.. لتريهم أكسل ثلاث طالبات في اختبار الإملاء..
كان مشهداً مخزياً.. ونحن ندور منكسي الرؤوس خلفها وهي تشرح لكل فصل خيبتنا وفشلنا وتستهزئ بنا..
مرت على فصل بنات جيراننا.. وعلى فصل ابنة خالتي مشاعل.. وعلى فصل معلمتي الحبيبة نورة.. وكنت في كل مرة أشعر بخجل عظيم يكاد يذيبني.. لكني لا أستطيع الفرار أو الهرب..
كانت دموعي تنساب بخجل على وجهي المحمر.. وأنا أشهق بصمت.. وحزام مريولي يسحب خلفي.. وفجأة شعرت بالحاجة للذهاب للحمام..
قلت ذلك بخوف لأبله منيرة.. لكنها غضبت ورفضت.. كانت تعتقد أني أريد الهرب من مواجهة بقية الفصول..
تحملت قليلاً.. رغم السير الطويل في المدرسة والصعود بالدرج ثم النزول منه.. لكن.. صغر سني.. لم يساعدني أن أتحمل أكثر..
بكيت.. أرجوك معلمة منيرة.. أرجوك.. أريد الحمام..
لكنها رفضت وهي تسحبني بقوة من يدي..
وفي لحظة لا أنساها.. لم أستطع التماسك فيها أكثر..
وأحسست بنفسي فيها صغيرة جداً.. ومهانة لأقصى حد.. ومحتاجة لأمي أكثر من أي وقت آخر..
أحسست بالخجل يبلل ملابسي..
ثم.. لا أتذكر سوى الصراخ.. و.. أني كنت أريد أن أهرب..

* * *

أشعر بعطف شديد على تلك الطفلة البريئة التي لم تتجاوز السابعة..
التي تعتد بنفسها وبترتيب مريولها وبعطرها الطفولي كل صباح.. وتحرص على تسريحة مرتبة أمام زميلاتها..
أشفقت عليها بصدق من ذلك اليوم الذي غرقت فيها في أوحال الإهانة وتحطيم الذات أمام الجميع.. جميع من كانت تحبهم وتسعى لأن تكون الأفضل أمامهم..

قبل كل اختبار.. أصبحت أشعر بخوف برائحة الطباشير وطعم الدموع.. وأسمع أصوات صراخ من بعيد..
رعب قاتل يخنقني.. لا أعرف كيف أهرب منه.. ولا إلى أين..
ويزيد طيني بلة.. كلام أمي وأبي عن طموحهما بي..
تتباهى أمي أمام زوجة خالي..
- ندى.. ستدخل الطب بإذن الله..
- ما شاء الله..
- نعم.. وستصبح أول دكتورة في العائلة..
- لكن يا أمي..
أقاطعها بخجل..
- لكن ماذا؟
- المشكلة أن الطب يحتاج لمعدل عال جداً.. لا تتخيلي صعوبة ذلك..
- وما العائق أمامك.. أنت متفوقة ما شاء الله.. متفوقة جداً وذكية.. هل اللاتي دخلن الطب أفضل منك..
أبلع كلماتي بألم فمن المعيب أن نتناقش في ذلك أمام الحاضرات..
وتقطع أمي الحوار لتقول بثقة وصرامة..
- إنها ذكية.. لكنها تستحي أن تمدح نفسها..!
ويسكت الجميع.. وأنا أشعر بالحمل على عاتقي يزداد.. والهم في قلبي يكبر.. والخوف يخنقني أكثر فأكثر..

* * *

قبل الاختبارات النهائية أصبت بمغص شديد.. قيء.. فقدان شهية.. حرارة وهذيان.. كنت أبكي طوال الليل والنهار..
لم يبق أحد من أقاربي لم يتصل ويمنحني شيئاً من توجيهٍ ولوم كنت أشعر أنه يزيد مرضي ويثير غثياني أكثر..
كنت أشعر بأني كالغريقة.. في لجة لا قاع لها..
أريد أن أهرب.. أريد أن أبتعد عن الاختبار.. وعن رعبه المميت..
لكن.. حتى.. لو.. لو.. تركت الدراسة.. وقررت عدم الاختبار..
فإن الأمر الآخر الذي أغرق فيه ولا أستطيع الهروب منه.. هو طموح أهلي الذي أثقل ظهري وملأ قلبي هماً..
كيف أهرب من نظراتهم.. ومن طموحهم بي الذي سيتحطم تماماً..
تقول أمي أن أبي يفتخر كثيراً بي وبتفوقي – المزعوم- أمام زملائه.. وسيزداد فخراً إذا استطعت دخول كلية الطب.. وتقول.. أن علي أن أنجح بتفوق لكي ترفع رأسها أمام قريباتها..
- ستعرف موضي أن ابنتها ليست الأفضل لأنها دخلت الحاسب.. فأنتِ ستدخلين الطب بإذن الله!

وحتى في أقصى حالات مرضي وانهياري قبل الاختبار الأول بيوم واحد.. لم ترحمني أمي..
فبينما كنت في المستشفى وأنبوب المغذي يدفع شيئاً من الطاقة في جسمي المنهك الخائر..
اقتربت الطبيبة الشابة ومسحت على رأسي بعطف..
(لماذا يا حبيبتي كل هذا الخوف من الاختبار؟ لماذا هذا الاهتمام؟
فلتحصلي على نسبة منخفضة!! نعم.. ماذا في ذلك؟ النجاح يكمن في داخلك أنت.. وليس مرتبطاً بأرقام المعدل..
لتحصلي على أقل نسبة وحتى لو لم تدخلي أي كلية.. فماذا في ذلك؟ كل هذا لأجل درجات الدنيا؟
إن الأهم يا حلوتي هو درجات الآخرة .. وليست درجات هذه الدنيا الفانية)
كان كلامها مريحاً وكأنه دواء مسكن لنفسي الملتهبة.. لكن قبل أن تبدأ علامات السكينة والراحة بالظهور على وجهي قلبت أمي وجهها وقالت وهي تنظر للطبيبة بعتاب وضيق..
(لا داعي لهذا الكلام يا دكتورة.. فهي ذكية ومتفوقة وإن شاء الله تستطيع بقليل من الإرادة أن تحصل على أعلى النسب.. وتصبح طبيبة مثلك.. هي فقط مصابة بالعين حماها الله)
تحطمت آمالي بأن يقتنع والداي بمحدودية قدراتي.. وبأني إنسان.. ضعيف.. له قدرات محدودة مهما فعل..
ودخلت الاختبار..
لكني خرجت من المدرسة بعد يومين إلى المستشفى مباشرة..
حيث مكثت أسبوعين أعالج من انهيار عصبي حاد.. لا زالت آثاره معي حتى اليوم..
ولازلت أشتم رائحة الطباشير.. وأشعر ببلل الخجل..
ووجها أمي وأبي يلسعانني بسياط الألم..


**
مجلة حياة العدد (58) صفر 1426هـ

ابوالحسن
07-24-2008, 01:35 AM
جهد مشكوووور لا حرمك الله الاجر

راجي عفو ربه
07-31-2008, 03:03 AM
والله قصص ذات عبر


فهل من متعض .. بارك الله فيك


دمت بود

اهااات الحربي
08-02-2008, 01:24 AM
ابو الحسن وعبدالله هادي
اسعدتم قلبي بتواجدكم بارك الله فيك

اهااات الحربي
08-02-2008, 01:25 AM
كلمة لم أقلها.. بابا!



في صباح يوم مشرق وداخل مدرستي العزيزة.. أطلق اسمي في جنباتها..
(منى صالح) .. الطالبة المثالية..
كم كانت السعادة تغمرني في تلك اللحظة والأمنيات تتراقص أمامي.. فبادرتني (سمية) بقولها..

- هنيئاً لك يا منى.. وما أسعد أبيك بك...

كلماتها تلك ترددت عليَّ فأدمت جروحاً غائرة، فهي لم تكن تعرف أني لا أملك أباً كغيري من الناس، وكم مرة تمنيت أن أقول (بابا).

أغمضت عيني فتذبذبت أمامي صور شتى بين الإغفاء واليقظة.. كنت أنزف حنيناً إلى أيام نائية وآمنة أستعيد فيها طفولتي معه.. لكني أعود خالية اليدين.. فقد غابت السعادة عن حياتي لتغادر معه عبر مسافات بعيدة تركني فيها وحيدة.. أعانق أحزان حياتي طوال تلك الليالي.. وحاولت احتضان خياله والاحتماء به من قسوة الأيام..

القلق يسيطر على مخيلتي وأصبحت لا أملك سوى ملف ذكريات حزين.. أسترجعه كل يوم ورقة ورقة.. فكل قطعة من جسدي تشتاق إليه.. فكم تمنيت لو استطعت أن أقاسمه عمري ليعيش معي.. العجيب أن توقفي عند هذه الحقيقة استولى عليَّ حتى بلغت درجة الانشغال عن حالي فشعرت كأن أبواب الحياة قد أغلقت في وجهي.. وعزفت عن المتع... وانعزلت حزينة زاهدة.. حيث قررت أن أضع ستاراً حديدياً بيني وبين أفكاري..

أعادت أمي عليَّ السؤال، وهي تربت على كتفي وتقول: منى ماذا بك؟

- أبي.. أين هو؟

فأجابتني وهي واجمة..
- ما الذي ذكرك به؟ وهو قد توفي منذ كنت رضيعة..

فرددت بلهجة باكية..
- وهل تتوقعين أني نسيته طوال هذه السنوات... إني أراه كل يوم.. أريد أباً..!

صعدت إلى غرفتي وألقيت بجسدي على سريري وعبراتي تنهمر بحثاً عن إجابة لما أنا فيه...
فشاهدت أمامي رجلاً يقول:
- السلام عليك يا ابنتي.. تبكين عليَّ؟.. لست أول من رحل.. ولا آخر من يودع الحياة الفانية.. لست الوحيد في العالم الذي سلم الروح إلى بارئه بصمت.. ولست أنت الوحيدة التي فجعت بوفاة والدها.. ولست وحدك من تبكي على عزيز افتقده بل هناك الكثير.. والكثير ممن يمتحن الله إيمانهم في هذه الدنيا..

ثم تابع يقول..
- جففي دموعك.. ولا تحزني.. ولا تتأسفي.. أعلم يا ابنتي أن دموعك صادقة وعبراتك مخلصة.. وحزنك عميق.. فقد افترقنا منذ أن كنت في مهد الطفولة، ولم يخطر ببالك هذه الأحداث.. يا بنيتي جففي دموعك فالدموع أوهن من أن تهدم شيئاً.. ولكنها تهدم صاحبها.. ولا تقولي سوى.. إنا لله وإنا إليه راجعون.. فتحن نموت ونندثر فننسى.. ولا يبقى منا سوى الذكريات وأعمالنا الصالحة..

كان كلامه يدخل إلى أعماق قلبي العطشى فيرويها.. وأنا أنظر إليه بشوق.. فأكمل مبتسماً..
- أعلم أنك تحلمين بي.. وتودين رؤيتي.. إذاً أسرعي وتبتلي إلى الله بالدعاء ولكل مسلم ومسلمة وافاهما الأجل أو هدهما المرض.. بنيتي.. لن أقول الوداع.. ولكن إلى اللقاء في يوم لا ظل إلا ظله بمشيئة الله..

ثبت إلى وعيي بعد ذهول المفاجأة فشعرت بصدري يضطرم وبدمعي ينهمل.. وكل جوارحي تردد (اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ماضٍ في حكمك عدلُ في قضائك.. أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري وجلاء همي وذهاب حزني).

اهااات الحربي
08-02-2008, 01:27 AM
يكفي أنها أمي!



في صباح أشعر اليوم بتأنيب الضمير.. فها أنا أسير عائدة من المدرسة وورقة الدعوة لمجلس الأمهات ممزقة في يدي.. لا داعي لأن أريها أمي.. فهي أصلاً لا تقرأ.. ولا داعي لحضورها حتى.. قطعتها إرباً أصغر ورميتها في الشارع والألم يغتالني..

منذ أن دخلت المرحلة المتوسطة وأنا أحاول بكل استطاعتي أن لا ترى إحدى من صديقاتي أو معلماتي أمي.. لكني اليوم أشعر بتأنيب ضمير بشكل أشد.. فقد فزت بمركز الطالبة المثالية على مستوى المدرسة.. وهذه أول مرة يتم تكريمي فيها في حفل الأمهات.. لكن أمي لن تحضر.. أو بالأحرى.. لا أريدها أن تحضر..

حين دخلت البيت كان التوتر والحزن بادياً عليّ..
سألتني أمي بعطف..
- ما بك يا بنيتي..؟ هل أزعجك شيء؟

شعرت برغبة في البكاء لكني تماسكت..
- لا شيء يا أمي.. فقط متعبة قليلاً من الدراسة..

- الحمد لله.. إذاً ارتاحي في غرفتك وأنا سأحضر لك الغداء هناك..

- شكراً يا أمي لا أريد.. نفسي "مسدودة"!

أسرعت لغرفتي غيرت ملابسي وتوضأت وصليت.. ثم استلقيت على سريري.. يا الله.. ما أجمل الراحة! الحمد لله..

نظرت لغرفتي.. إنها مرتبة.. كل شيء نظيف..
مسكينة أمي.. حبيبتي.. إنها تتعب كثيراً من أجلي.. فرغم كبر سنها وعدم وجود خادمة تعينها إلا أنها تحاول قدر الإمكان ألا تتعبني معها في عمل البيت رغم إصرار أخواتي المتزوجات عليها بأن ترغمني على العمل..

أخذت أفكر في حالي.. كم أنا مغرورة ومتعجرفة.. إنها تفعل كل ذلك من أجلي.. وأنا.. أنا.. أستحي منها وأخجل من أن تراها معلماتي وصديقاتي.. يا ربي.. أشعر بصراع داخلي رهيب.. صوت يقول.. حرام! مسكينة أمك.. لماذا تتنكرين لها هكذا وهي الأم الحنون التي تحبك؟.. وصوت يقول لي.. كلا!! أنت على حق.. لا يمكن أن تراها صديقاتك!! أمك إنسانة متخلفة!.. مسكينة تثير الشفقة والسخرية في نفس الوقت.. انظري لطريقة لباسها وكلامها.. ومفرق شعرها اللامع وكحل الإثمد الذي تضعه حول عينيها.. كيف سترينها صديقاتك اللاتي معظمهن أمهاتهن على قدر من العلم والثقافة والأناقة والمركز الاجتماعي؟!.. بالتأكيد سيسخرن منها.. وأنت لا تريدين ذلك؟!

في إحدى المرات حين كنت في الصف السادس.. أذكر أنها حين أتت للمدرسة سألت إحدى المراقبات الإداريات المسؤولات عن الحضور والغياب عني!.. واعتقدت أنها معلمة فأخذت توصيها بي وتسألها أن ترحمني لأني أدرس طوال الوقت في البيت!! وكدت أموت من شدة الحرج يومها حين رأيت الإدارية تمسك زمام ضحكتها على أمي المسكينة..
وحين توجهت للتسجيل في المرحلة المتوسطة.. أخذت تسأل المديرة عما إذا كان من الواجب أن نلتزم بلبس "الياقة" البيضاء حول الرقبة – مثل المرحلة الابتدائية.. وهنا كدت أموت أيضاً من شدة الحرج..

آآه.. يا أمي.. ليتك تعلمين كم أحبك وأحرج في نفس الوقت من تصرفاتك.. لأني أتمنى أن تكوني دائماً أفضل الأمهات ولا أريد لأحد أن يسخر منك..

أحياناً حين أنظر لأمي.. أشعر أنها مسكينة.. فهي لم تشعر بالحب مرة واحدة في حياتها.. فقد ولدت في بيئة قاسية.. ثم ترعرعت يتيمة وحيدة..
وتزوجت وهي طفلة لرجل مسن حاد الطباع هو أبي.. أنجبت منه أحد عشر ابناً وابنة ورثوا عن أبيهم حدة طباعه وعصبيته – أنا أصغرهم.. وأنهك المرض والخرف جسم زوجها- أبي فلم يعد يعي شيئاً منذ دخلت أبواب المدرسة وفتحت نوافذ الحياة.. وها هي تعتني به حتى الآن رغم كبر سنها..
فمن أين يمكن أن تكون ذاقت طعم الحب؟
مسكينة..
ذات يوم قلت لها وهي جالسة على أرض المطبخ تقوم بتنقية التمر وغسله استعداداً لكنزه..
- يمه..

- هلا..

شعرت أني سأسألها سؤالاً قاسياً لكنه كان يدور في ذهني منذ مدة طويلة..
- لقد عشت طفولة معذبة.. هل كان هناك من يحبك ويعطف عليك..؟

سكتت وأخذت تفكر كمن صدمت بالسؤال..
سقطت حبتين من التمر من يدها.. ثم مسحت رأسها بجانب ذراعها..
وقالت..
- إيه.. كانت هناك ابنة صغيرة من بنات عمي الذي رباني.. كانت تحبني وتعطف علي.. وحين يضربني عمي أو زوجته أو يحرماني من العشاء كانت تخفف من ألمي وبكائي وتعطيني بعض عشائها.. الله يرحمها.. كانت تحبني أكثر من أخوتها..

- سبحان الله توفت؟!

- نعم.. توفت.. أصيبت بحمى شديدة بعد موسم المطر.. ثلاث ليالٍ ثم توفت الله يشفع فيها.. كان عمرها تسع سنين وأنا عشر..

- وبعدين..؟

- ماذا؟

- من أصبح يحبك ويعطف عليك بعدها؟

- لا أحد..

- لا أحد؟!

وقفت تفكر بصمت وبوجوم.. ثم تداركت بسرعة..
- طبعاً الله يخلي لي "عيالي" وأبوهم إن شاء الله.. وحاولت أن تستمر في عملها منشغلة عن هذا الحديث..

في تلك الليلة.. أخذت أفكر.. أي معاناة عانتها أمي المسكينة في طفولتها.. وأي حرمان من الحب عاشته في حياتها.. ورغم كل ذلك الألم الذي تجرعته.. فإنها قادرة وبكل سخاء على منح الحب والعطف للآخرين مهما قسوا عليها.. كم هي حقاً إنسانة عظيمة تستحق التقدير.. وكم أنا غبية لأني لا أفتخر بأم مثلها..

وفي الصباح حاولت أن أخبرها أن حفل الأمهات بعد يومين.. لكني وجدت نفسي أتوقف.. وأفكر في مسألة الإحراج مرة أخرى.. وفي مفرق الشعر.. ورائحة الحناء.. والحديث البسيط.. فأحجم عن مفاتحتها بالأمر..

* * *

وفي المدرسة.. وكأن الله أرادني أن أشعر بعظمة أمي.. جاءتني صديقتي نورة في الفسحة وجلست بقربي مع الشلة دون أن تتحدث.. شعرت أنها تريد أن تقول شيئاً لا تستطيع قوله أمام البنات..
- نورة.. تقومين نتمشى؟
قفزت بسرعة وكأنها كانت تنتظر هذه الدعوة بفارغ الصبر.. وما أن بدأنا نبتعد عن البنات حتى بدأت تفضفض لي ما بصدرها المثقل..
- إنني متعبة.. متعبة جداً يا مريم.. أكاد أنهار من شدة الألم الذي في قلبي..

- ماذا هناك.. خيراً إن شاء الله..؟!

- أمي.. أمي.. إنها قاسية.. قاسية جداً علينا.. تخيلي يا مريم أننا لا نراها ولا نكلمها إلا نادراً ومع هذا فهي لا تواجهنا إلا بوجه متضايق غاضب دائماً..

- لا ترونها؟.. كيف؟

- أنت تعلمين أنها تعمل.. وهي تقضي بقية اليوم في النوم أو حضور المناسبات الاجتماعية أو الذهاب للنادي.. لذا فإننا لا نراها إلا قليلاً وتكون متعبة ومتوترة ولا تريد أن تستمع لنا..

تركت نورة تكمل مشكلتها وأنا منبهرة فقالت وهي تخنق عبراتها..
- بالأمس تناقشنا في موضوع بسيط.. فاحتد النقاش بسبب غضبها وتوترها.. هل تعرفين ماذا قالت لي؟.. قالت أنها لا تحبني ولا تطيقني.. بل تكرهني وتتمنى لو تراني أنا وأخوتي موتى أمامها لترتاح من همنا.. تخيلي!!

صمت وأنا لا أزال مستغربة تماماً ولا أعرف ماذا أقول فأكملت وصوتها يرتجف بنبرة البكاء..
- مريم!.. تخيلي.. تقول أنها تريد أن تراني ميتة أمامها.. لقد بكيت بالأمس.. بكيت ودعوت الله من كل قلبي أن أموت لأريحها بالفعل مني.. وأتخلص من معاملتها القاسية..

- لا حول ولا قوة إلا بالله.. استعيذي بالله من الشيطان الرجيم يا نورة.. بالتأكيد هي لا تقصد ذلك..
وأخذت أهدئها وأنا أرى خيال أمي الحبيبة البسيطة الحنونة.. وأقارنها بوالدة نورة.. الدكتورة في الكلية.. المثقفة.. الأنيقة.. ولكن الغير قادرة على منح أبسط وأغلى شيء.. وهو الحب..

وفي يوم مجلس الأمهات.. قبضت على يد أمي في ساحة المدرسة وأخذت أعرفها على صديقاتي ومعلماتي بكل فخر.. كنت أعلم أنها امرأة بسيطة وغير متمدنة وقد تقول عبارات مضحكة.. لكنها في نظري أعظم وأسمى وأشرف أم.. يكفي أنها أمي.. وكفى..



**
مجلة حياة العدد (50) جمادى الثانية 1425هـ

راجي عفو ربه
08-06-2008, 08:27 PM
الله يجزاك خير ويبارك فيك على الاضافة


قصص مؤلمة ومؤثرة


الله يهدي النفوس

طالع الهلالي
08-09-2008, 10:30 AM
موضوع متميز جداً
وبارك الله فيكِ

اهااات الحربي
08-09-2008, 04:36 PM
عبدالله هادي وطالع الهلالي
سعدت بتواصلكم معي

راجي عفو ربه
09-27-2008, 01:45 AM
اهات الحربي ... عدت لأقرأ وحينما انتهيت


اتيت لأسجل شكري .. وعظيم امتناني لما حرصتي على اضافته


بارك الله فيك اختي

اهااات الحربي
12-03-2008, 04:41 AM
جزاك الله خير

واتمنى لك الفائدة اسعدني حرصك وتواصلك

طالع الهلالي
02-25-2009, 03:20 AM
اثابك الله

أبو مالك
05-12-2009, 10:30 AM
مشكوووره اهااات الحربي على هذه السلسله المباركة وعلى جميع جهودك التي بذلتيها في المنتدى
أسال الله ان يبارك فيك ويكثر من امثالك

Rassan
05-03-2010, 05:46 AM
بَارَك الْلَّه فِيْكُم وَسَدَّد خُطَاكُم

وَنَفَع بِكُم الْاسْلَام وَالْمُسْلِمِيْن