المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الفتوى وحاجة المجتمع


ابراهيم محمد الهلالي
04-21-2009, 10:42 PM
الفتوى وحاجة المجتمع

***************************************

الحمد لله الذي بصَّر بالعلم من شاء ، وزاد المؤمنين هدى إلى هداهم ، وأرسل لهم الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم هادياً ومبشراً ونذيراً وبعد :
فإنه لا خلاف بين العقلاء الحاجة ماسة للعلم ، فهو المعين الذي لا ينضب ، والرفد الذي لا يهزم ، وحاجة الناس له ماسة للغاية القصوى يقول الإمام أحمد بن حنبل الشيباني إمام أهل السنة والجماعة (( حاجة الناس للعلم أشد من حاجتهم للطعام والشراب ، وذلك أنهم يحتاجون للطعام والشراب في اليوم مرة أو مرتين وأما حاجنهم للعلم فبعدد الأنفاس )) ولذلك لمَّا عرفوا قدر العلم انتفعوا به وعرف بعضهم قدر بعض سأل أحد أبناء الإمام أحمد أباه عن الإمام الشافعي رضي الله عنهم أجمعين فقال الإمام أحمد لابنه (( يا بني الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للناس )).
وإن من أنبل ما يشتغل به المشتغلون وخير ما يعمل له العاملون نشر علم نافع تحتاج إليه الأمة، يهديها من الضلالة، وينقذها من الغواية، ويخرج النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ العَزِيزِ الحَمِيد. وكيف لا يكون كذلك وقد حض الله تعالى عليه بقوله الكريم: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُون، وأوجب على أهل العلم نشره ونهاهم عن كتمانه فقال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَه، وقال رسول الله : ((من علِم علمًا فكتمه أُلجِم يوم القيامة بلجام من نار)).
أيها المسلمون، ولنشر العلم وسائل كثيرة، من أهمها التصدي للإفتاء لعموم الحاجة إليه وكثرة التعويل عليه، لا سيما في هذه الأيام التي قلَّ فيها الإقبال على العلم، واكتفى معظم المستمسكين بهذا الدين باستفتاء العلماء عما يعرض لهم أو يؤرق بالهم، لتصحيح عبادة أو تقويم معاملة، والقليل منهم من يلزم مجالس العلماء حتى يتخرج على أيديهم، ويصبح من ثم وارثًا لعلومهم. وما زال الإفتاء قائمًا منذ فجر الإسلام وحتى هذه الأيام، حتى خلّف العلماء كثيرًا من كتب الفتاوى والنوازل التي زخرت بها المكتبة الإسلامية، كانت وما تزال مصدرًا من مصادر الإشعاع العلمي والحضاري الذي ترك بصماته في نهضة الأمم ورقي الشعوب؛ لهذا كانت منزلته عظيمة ومكانته كبيرة؛ لأنه بيان حكم الله تعالى بمقتضى الأدلة الشرعية على جهة العموم والشمول. وقد تقلد رسول الله هذا المنصب العظيم، فكان له منصب النبوة ومنصب الإمامة ومنصب الإفتاء.
وتكتسب الفتوى أهمية بالغة لشرفها العظيم ونفعها العميم، لكونها المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب حيث أفتى عباده، فقال في كتابه الكريم: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتَاب، وقال تعالى: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الكَلالَة. فقد نسب الإفتاء إلى ذاته، وكفى هذا المنصب شرفًا وجلالة أن يتولاه الله تعالى بنفسه. قال الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله: "وأول من قام به من هذه الأمة سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين، عبد الله ورسوله، وأمينه على وحيه، وسفيره بينه وبين عباده، فكان يفتي عن الله بوحيه المبين، وكان كما قال له أحكم الحاكمين: قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِين. فكانت فتاويه جوامع الأحكام، ومشتملة على فصل الخطاب". ثم خلفه في منصب الإفتاء كوكبة من صحابته الكرام، قامت به أحسن قيام، فكانوا سادة المفتين وخير مبلغ لهذا الدين، قال قتادة في تفسير قول الله تعالى: وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الحَق، قال: أصحاب محمد . ثم جاء من بعدهم التابعون وأتباع التابعين، وكثير من الأئمة المجتهدين والعلماء العاملين، فأفتوا في دين الله تعالى بما آتاهم من علم غزير وقلب مستنير ورقابة لله العليم الخبير، فأسدوا إلى الأمة خدمات جليلة كان لها أثر في نشر العلم وإصلاح العمل.
ومما يُظهر منزلة الفتوى أيضًا أنها بيان لأحكام الله تعالى في أفعال المكلفين، ولهذا شبه ابن القيم المفتي بالوزير الموقع عن الملك، فقال: "إذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ولا يُجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات؟!".
أحبتي في الله، ولئن كانت حاجة الأمة إلى الفتوى كبيرة فيما مضى، فإن الحاجة إليها في هذه الأيام أشد وأقوى، فقد تمخض الزمان عن وقائع لا عهد للسابقين بها، وعرضت للأمة نوازل لم يخطر ببال العلماء الماضين وقوعها، فكانت الحاجة إلى الإفتاء فيها شديدة، لبيان حكم الله تعالى في هذه النوازل العديدة، إذ لا يعقل أن تقف شريعة الله العليم الحكيم عاجزة عن تقديم الحلول الناجعة لمشكلاتهم المتسعة لكل ما يحدث لهم أو يُشكل عليهم، وهي الشريعة الصالحة لكل زمان، الجديرة بالتطبيق في كل مكان.
وبما أن الفتوى بيانٌ لأحكام الله والمفتي في ذلك موقِّعٌ عن الله فإن القول على الله تعالى بغير علم من أعظم المحرمات؛ لما فيه من جرأة وافتراء على الله وإغواء وإضلال للناس، وهو من كبائر الإثم، قال الله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُون. ومما يدل أيضًا على أنه من كبائر الإثم قول الله تعالى: وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم؛ لهذا هاب الفتيا كثير من الصحابة، وتدافعوها بينهم لِمَا جعل الله في قلوبهم من الخوف والرقابة. فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله يُسأل أحدهم عن المسألة فيردَّها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول"، وفي رواية: "ما منهم من أحد يُحدِّث بحديث إلا ودَّ أخاه كفاه إياه، ولا يُستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا".
فهل يعي الذين يتجرأ أحدهم على الفتيا في كل أمر وكأنه يأمن التبعة ولا يخاف المنقلب
فالأمر هام وضروري وخطير في نفس الوقت ، ونسأل الله الحرص على تبليغ الحق بعلم ويقين ونعوذ به من الزلل والخطل والله المستعان وعليه التكلان وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

زاد المعاد
04-22-2009, 12:34 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك الله فيكم


يا شيخ

وجزيت الجنة

وهنا مقال لي كتبته في هذا الباب


فقهاء عصرهم
http://saaid.net/daeyat/zadalmaad/26.htm (http://saaid.net/daeyat/zadalmaad/26.htm)

الــمــوت حــق
04-22-2009, 08:26 AM
موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .

أبو مالك
05-19-2009, 06:55 AM
موفق بأذن الله شيخنا الفاضل ونفع الله بعلمكم كل مسلم ومسلمه

راجي عفو ربه
05-25-2009, 08:24 AM
بارك الله فيك شيخنا الكريم ودوماً إضافتك ننتظرها على شوق