• ×
السبت 28 مايو 2022 | 24-05-2022
×

وبالحقّ أنزلناه وبالحقّ نزل

0
0
405
 (وبالحقّ أنزلناه) حين كانت الجاهلية ثقافة سائدة تغمر الأرض بكل أطيافها وألوانها، وحين كانت النظم الاستعبادية نظاما عالميا تجمع عليه مشارق الأرض ومغاربها، وحين امتدت قرون الطغيان الوحشية، لتعم الأرض بسكانها الأشقياء جيلا بعد جيل، حينها انطلقت أولى أشعة الدفء السماوي، وأول كلمات التحرر، وبداية خطوات التغيير والانقلاب الأخلاقي الإنساني النزعة، وغير المسبوق، وغير المألوف أيضا، لتقول للإنسان، إنّك عند الله كريما، ولتطلب منه أن يعيش في ظل هذا التكريم الربّاني الكريم، حياة تبدأ بالخير وتنتهي به، وتقوم على العدل وتنتهي به، وهي قبل كل ذلك تأمره بألّا يعبد غير الله الذي يستحق العبادة، والذي هو اهل لها وحده - سبحانه -، وتتوالى الآيات القرآنية العظيمة، تتنزّل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في مكة المكرّمة، وقد تأذّن ربّ العزّة - سبحانه - بأن ينتهي ليل الظلمات المتراكمة التي حطت ظلمتها في كل القلوب وحلّقت بأجنحتها الغرابية فوق كل أصقاع الأرض، ويشاء الرّحمن الرّحيم أن يجعل لهذه الإنسانية الكليمة، مخرجا وفرجا، ويشاء أن يملاْ الأرض عدلا بعد أن ملئت جورا، فيرسل رسوله: (بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله)، سواء منها ما سبقه من الأديان، أو ما عاصره منها، أو ما ستتمخض عنه الجاهليّة الرعناء الغاشمة، في كل زمان ومكان، من شرور فكرية، ومعتنقات منتنة، وأنظمة ظلاميّة، تتوالى على الأرض ما دامت السماوات والأرض، مما يجعل الأرض محلاّ للصّراع الأبدي بين الحق والباطل، وبين الخير والشر وبين النّور والظلام، ويظل القرآن الّذي أنزل على محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده المنارة التي تنير للبشرية متاهات الضلالة، وموبقات القوانين الأرضية المرتكزة على النّفعية الظالمة، وكيف لا يكون المنارة الهادية للنّاس، وقد أنزله ربّ النّاس بالحق والهدى والنور والرّحمة الربّانية المنزّهة عن النقائص، والغفلة والإغفال والتفريط؟ وحاشاه أن يكون، وربنا -سبحانه- يقول فيه: (وبالحقّ أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلاّ مبشّرا ونذيرا) ولكنّها العقول التي انحنت أبدا للشيطان، واستعبدتها أوامره ونواهيه، والقلوب التي عليها أقفالها الصدئة، لا تلين للحقّ ولا تتخذه سبيلا، وحيثما عرض لها عارض الغي اتخذته سبيلا ومنهجا، وتتمادى هذه القلوب العمياء والعقول التي لا تفقه، والصدور التي امتلأت كبرا وإعراضا وجهلا، لتصبّ جام حقدها وحسها على أقدس مقدساتنا (كتاب الله الكريم) الذي: (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) وتتخذ لحربها هذه كلّ سبل الحرب وأدواتها، فمن التشكيك بالأحكام وعدالتها، إلى التشكيك بتواتر الآيات الطاهرة وصدقها وعدم تحريفها، إلى الانتقاص من عدالتها ورحمتها، إلى تمزيق الصفحات القرآنية الطاهرة وإلقاءها في أماكن مهينة، ولن يكون آخرها إهانة كتاب الله في أفغانستان قبل أيام على يد روّاد الحرب الصليبية الجديدة، كما لم يكن آخرها قبل عام محاكمة الأحمق [تيري جونز] للقرآن الكريم ذلك القس الّذي اتهمته ابنته بالجنون، ليذلّه الله في بيته وولده، ولم يكن آخرها قبل قرن من الزّمان [حين وقف أحد رؤساء الوزارة البريطانية ليقول (نحن لن ننتصر على الشرق الإسلامي ما دام هذا القرآن فيهم، وهو يلوّح بنسخة من القرآن ويقف احد نواب المجلس ليتناول من يده المصحف الشريف ويمزّقه ويلقيه في سلة المهملات، ويصرخ فيه الرئيس قائلا: أيها الأحمق ما هذا أردت فقط، إنّما أقصد تمزيقه في صدور المسلمين وقلوبهم) لقد تهيأ لهذا الأحمق النافون أن القرآن فكرة قابلة للزّوال، وانه كتاب قابل للتلاشي ونسي قول الله الذي لم يؤمن به لحظة واحدة، ولكننا نتلوه آناء الليل وأطراف النهار، موقنين بأنّه الحق من ربّنا الحق: (إنّا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون) فافعلوا ما بدا لكم، واركبوا أعنّة الحماقة ما شاءت لكم جهالتكم، وحاربوا ربّكم أنّى وأين ومتى وبما شئتم: (فمن أظلم ممن افترى على الله الكذب أو كذب بآياته إنّه لا يفلح المجرمون) لقد أجرمتم بحقّ ربكم ونبيّه وكتابه، واستهنتم بأمة الإسلام كعهدكم، وأمنتم حكّامها، واستضعفتم أقلياتها ورتعتم في مرابعها، وقلتم أنّى لها النّصرة، ونسّيتم لجهلكم بمقوّمات الأمة الإسلامية، كيف تنهض من جديد، وتدفع عن كتابها وشرعها، بل خشيتم أن يبعث فيها هذا القرآن الحياة من جديد وهو ما ترونه اليوم والمجاهدون في مشارق الأرض ومغاربها دليل ذلك البعث القرآني، ولن ينفعكم اعتذار كبراءكم، فهم رؤوس الإجرام فيكم، وإنّكم لن تعجزوا الله في الأرض ولن تعجزوه هربا، والمعركة لم تبدأ البارحة ولن تنتهي اليوم، و(إنّ موعدكم الصبح أليس الصبح بقريب) فالأمة استيقظت، وعلماؤها ما زالوا هداة طريقها بفضل الله، وكتاب ربها ما يزال أعزّ وأرفع مما تظنّون، وهدي نبيها محجة بيضاء توضح الطريق وتقود مسيرة الانتصار، وقبل هذا وذاك يشد عزمنا ويقوّي شوكتنا ويجدد يقيننا بالنَصر موالاة ربنا لنا(بل الله مولاكم وهو خير النّاصرين).