العودة   منتدى الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن البرك > منتديات الجمعية العامة > منتدى الشريعة والحياة

Tags H1 to H6

منتدى الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن البرك

خطب الجمعة من جامع الفاروق بالبرك

خطب الجمعة من جامع الفاروق بالبرك
عدد الضغطات : 0
عدد الضغطات : 0
إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 08-16-2008, 08:22 PM   #1
الــمــوت حــق
افتراضي خطب الجمعة من جامع الفاروق بالبرك


وقفات مع حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله


فضيلة الشيخ
إبراهيم محمد الهلالي
16/6/1429هـ
qkalbirk.org.sa/vb/showthread.php?t=259

الخطبة الأولى

الحمد لله معز من أطاعه واتقاه ، ومذل من حالف أمره وعصاه ، رب الأرباب ، ومسبب الأسباب ، وخالق خلقه من تراب ، وصلى الله على المبعوث رحمة للعالمين ، وحجة على الخلق أجمعين ، إمام الحنفاء ، وقدوة الأنام صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وآله أجمعين .
أما بعد:
فأوصيكم ـ أيها الناس ـ ونفسي بتقوى الله عز وجل، اتقوا ربكم حق التقوى واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى، واحذروا المعاصي فإن أقدامكم على النار لا تقوى.
في الليلة الظلماء يفتقد البدر، وفي لهيب الشمس وسموم الحر، يستطلب الظل وتستجلب النفحات، وما أروع العدل حين يطغى الجور، والإنصاف حين يعلو الغمط! وما أعجب الشرخ الشاب، حينما ينتصر على الصبوة المتفتقة! ويالعظم الحظ ووفرة التوفيق، لمن أوقف قلبه، فبات معلقا في كل مسجد! وما أهنأ الرجلين، إذ يتحابان في الله، فلا يجتمعا إلا عليه، ولا يفترقا إلا عليه، ويا حبذا العفة والخشية، حينما تظهر المغريات، وتضمحل العقبات، وما أجدى صدقة السر في إطفاء غضب الرب! وما أعذب الدموع الرقراقة في الخلوة، حينما تسيل على خد الأسيف العاني!
أيها المسلمون، إن سنة المصطفى هي المنبع الثر للهدى والحق والنور، وهي المعين الذي لا ينضب، والحق الذي لا يعطب، وإن الوقوف الدقيق عند حديث رسول الله المنبعث من مشكاة النبوة، ليحمل النفس المؤمنة، على أن تعرف أسراره، وتستضيء بأنواره، فلا ينفك، يشرح النفس ويهديها بهديه، فتؤمن بالنبي المصطفى والرسول المجتبى ، وكلما ذكر كلام المصطفى فكأنما قيل من فمه للتو، كلام صريح، لا فلسفة فيه، يغلب الأثرة والشهوة والطمع.
روى البخاري ومسلم في صحيحيها، من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق، بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه))[1][1].
عباد الله، ما أحوجنا جميعا، إلى أن نستظل في ظل الرحمن، في يوم عصيب يعظم فيه الخطب، ويشتد فيه الكرب، يوم أن تدنو الشمس من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما. رُحماك يا رب، عفوك يا الله.
ألا ما أحوج الأمة المسلمة، في كل عصر وفي كل مصر، إلى الإمام العادل، وهو صاحب الولاية العظمى، وكذا كل من ولي شيئا من أمور المسلمين فعدل فيه. الرعية عبيد، يتعبدهم العدل، العدل مألوف وهو صلاح العالم. الإمام العادل، هو الذي يتبع أمر الله بوضع كل شيء في موضعه، من غير إفراط ولا تفريط، فهو أبو الرعية، والرعية أبناؤه، يعلم جاهلهم، ويواسي فقيرهم، ويعالج مريضهم، يرى القوي ضعيفا حتى يأخذ الحق منه، والضعيف غِطريفا حتى يأخذ الحق له.
وإن تحقيق العدل، أمام الرغبات، والمصالح والأهواء، أمر في غاية الصعوبة؛ إذ حلاوته مرة، وسهولته صعبة، وحينما يستطيع المرء تخطي تلك العقبات، كان معنى ذلك، أن فيه من الإيمان والتقوى ما يجعله مستحقا لأن يكون واحدا من هؤلاء السبعة.
ولقد ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة، فأرسل إلى الحسن البصري، أن يكتب إليه بصفة الإمام العادل، فكان مما كتب له الحسن: (اعلم يا أمير المؤمنين أن الله جعل الإمام العادل، قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وهو كالراعي الشفيق على إبله، الذي يرتاد لها أطيب المراعي، ويذودها عن مراتع الهلكة، ويُكِنّها من أذى الحر والقر، وهو كالأم الشفيقة، والبرة بولدها، حملته كرها، ووضعته كرها، تسهر بسهره، وتسكن بسكونه، والإمام العادل يا أمير المؤمنين، وصي اليتامى، وخازن المساكين، وهو كالقلب بين الجوارح، تصلح الجوارح بصلاحه وتفسد بفساده . اللهم أظلنا في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك).
أيها الناس، إن الشاب المسلم، الذي يستحق أن يكون واحدا من هؤلاء السبعة، هو ذاك الفتى اليافع، الذي تعلق قلبه بربه، ولما يشخ بعد، تتجاذبه مزالق الرغبات النفسية ومتطلبات الجسد، ترق عنده الحياة، فتسحره بالنظرات المغرية، وتجمع له لذائذ الدنيا، في لحظة مسكرة، أو شبهة عارضة، الشباب الذي يعيش للهوى وأحلام اليقظة وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوٰجاً مّنْهُمْ زَهْرَةَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ[طه:131]. الشاب، شأنه شأن غيره من الشباب، الذين تعتريهم في هذه السن، أنواع من التصرفات غير المتزنة، والذين هم أحرى في أن يقعوا فريسة، لمثل هذه الدركات غير المسؤولة.
إن الشباب مرحلة، هي من أخطر مراحل الحياة؛ لأنها مرحلة قوة بين ضعفين: ضعف الطفولة، وضعف الشيخوخة، ولما كان الشباب من العمر، وسيسأل الإنسان عن عمره، فإن رسول الله خص الشباب في قوله: ((لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع، وذكر منها: وعن شبابه فيم أبلاه؟)) رواه الترمذي[2][2].
إن من أكرم الناس نفعا، وأنداهم كفا وأطيبهم قلبا، وأصدقهم عزما، هو الشاب المسلم النقي التقي، الذي يجل الكبير، ويرحم الصغير، لا تسمعه إلا مهنئا أو معزيا، أو مشجعا أو مسليا، ولا تراه إلا هاشا باشا، طلق الوجه مبتسما، يبعده إيمانه بربه، عن طيش الصغر، وإصرار الكبر، فهو الجندي في الميدان، والتاجر في السوق، والعضو الفعال في الجمعيات والمنتديات الخيرة نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نبَأَهُم بِٱلْحَقّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ ءامَنُواْ بِرَبّهِمْ وَزِدْنَـٰهُمْ هُدًى[الكهف:13]. قَالُواْ مَن فَعَلَ هَـٰذَا بِـئَالِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرٰهِيمُ[الأنبياء:59،60]. وَقَالَ نِسْوَةٌ فِى ٱلْمَدِينَةِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَـٰهَا عَن نَّفْسِهِ[يوسف:30].
إن مما يساعد الشباب على عبادة ربه، صفاء المحضن، ممثًَلا في البيت والمدرسة والمجتمع، وكذا قيام المحضن بواجبه من توعية وإرشاد، حتى يشب الشباب عن الطوق[3][3]، ((ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)) [4][4].
ولن يستغني شاب عَبَدَ رَبّهُ، عن مطالعات حثيثة، في سير أسلافه إبان شبابهم، كابن الزبير وابن عباس، وأبي هريرة وابن عمر، وأسامة وأنس، والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين. وجدير بشاب هذا شأنه، أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله.
عباد الله، المساجد بيوت الله، وأماكن عبادته، وهي خير البقاع، يكرم الله عمارها وزواره فيها، ويثيب على الخُطا إليها فِى بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوّ وَٱلاْصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَـٰرَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَاء ٱلزَّكَـوٰةِ يَخَـٰفُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلاْبْصَـٰرُ[النور:36، 37].
ومن هنا كان فرح الباري جل وعلا، بزوار المساجد. قال رسول الله: ((ما توطن رجل المساجد للصلاة والذكر، إلا تبشبش الله تعالى إليه، كما يتبشبش أهل الغائب بغائبهم إذا قدم عليهم)) رواه ابن ماجه وابن خزيمة[5][5] وغيرهما وإسناده صحيح.
ولم يكن للمسلمين في القرون الأولى، من معاهد ولا مدارس إلا المساجد، ناهيكم عن خمس صلوات في اليوم والليلة. ففي المسجد يدرس القرآن وتفسيره، والسنة وفقهها، واللغة وأصول الدين. وأين مجلس إمام دار الهجرة. والحسن البصري، وأبي حنيفة والشافعي وأحمد إن لم يكن في المسجد. أما إنه لو رجع لبيوت الله، ما كانت عليه من إقامة الشعائر واجتماع المسلمين فيها، لتعلقت بها قلوب الكثيرين ممن أعرضوا عنها واستخفوا بشأنها وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَا أُوْلَـئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ[البقرة:114]. اللهم أظلنا تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك.
عباد الله، إن المؤمن في هذه الحياة، يجد صعوبة بالغة، في أن يعيش وحيدا فريدا، دون صديق أو مؤانس، صديق يناجيه، وخِلِّ يلاقيه ويواسيه، يشاطره مسرته، ويشاركه مساءته. لقد أصبحت علاقات الكثيرين من الناس في هذا العصر، خداجا خداجا غير تمام، تقوم لغرض وتقعد لعرض، والإسلام دين الأخوة والمحبة والتآلف وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلأرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ[الأنفال:63]. الحب في الله والبغض في الله من أوثق عرى الإيمان، به تقع الألفة، المتحابون في الله، دائمة صحبتهم، باقية مودتهم، لا تزيدها الأيام إلا وثوقا وإحكاما، لخلوصها من الإثم، والأغراض الدنيئة ٱلأَخِلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ ٱلْمُتَّقِينَ[الزخرف:67]. قال رسول الله: ((أيها الناس اسمعوا واعقلوا، واعلموا أن لله عز وجل عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء، على منازلهم وقربهم من الله))، فجثا رجل من الأعراب من قاصية الناس، وألوى إلى النبي فقال: يا رسول الله: ناس من المؤمنين ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم؛ انعتهم لنا. فسر وجه رسول الله بسؤال الأعرابي فقال: ((هم ناس من أفناء الناس، ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها، فيجعل وجوههم نورا، وثيابهم نورا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)) رواه أحمد[6][6] ورجاله ثقات. اللهم أظلنا في ظلك يوم لا ظل إلا ظلك.
عباد الله، إذا ما يسرت للمسلم سبل الغواية، ودعت إليها الدواعي والمغريات دعا، فهو بحاجة ماسة، إلى أن يرى برهان ربه، وأن يسطع نور الهداية في فؤاده، وليس هناك امتحان، أقسى من امتحان، يتغلب فيه المرء على صبوته وغريزته، تبذل له حسناء نفسها، وهو في فحولة الرجولة. وهي في حالة رفيعة من الجمال والجاه، فاتنة عاشقة مختلية متعرضة، متكشفة متهالكة، فحينها لا ينبغي أن ييأس الرجل، إذ إن مطارق الخوف من الله ومراقبته، تعينه على أن يرى برهان ربه، وتذكره بقوله تعالى عن يوسف وَرَاوَدَتْهُ ٱلَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ ٱلاْبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ[يوسف:23].
لقد اجتمع ليوسف عليه السلام، من الدواعي لإتيان الفاحشة الشيء الكثير؛ فلقد كان شابا وفي الشباب ما فيه . وقد غلقت الأبواب، وهي ربة الدار، وتعلم بوقت الإمكان وعدم الإمكان فكان ماذا؟ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَّ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ ٱلظَّـٰلِمُونَ[يوسف:23]. استعاذة وتنزه واستقباح، ولماذا؟ وما هو السبب؟ لأنه يعبد الله كأنه يراه، فأراه الله برهان ربه وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ وَنَهَى ٱلنَّفْسَ عَنِ ٱلْهَوَىٰ فَإِنَّ ٱلْجَنَّةَ هِىَ ٱلْمَأْوَىٰ[النازعات:40، 41].
((كان الكفل، من بني إسرائيل، لا يتورع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها، فلما أرادها على نفسها، ارتعدت وبكت، فقال: ما يبكيك؟ قالت: لأن هذا عمل ما عملته، وما حملني عليه إلا الحاجة. فقال: تفعلين أنت هذا من مخافة الله، فأنا أحرى، اذهبي فلك ما أعطيتك ووالله ما أعصيه بعدها أبدا، فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه: إن الله قد غفر للكفل، فعجب الناس من ذلك)) رواه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه[7][7].
فاتقوا الله ـ معاشر المسلمين ـ وتخلقوا بأخلاق رسول الله واهتدوا بهديه تفلحوا، ويتحقق لكم ما وعدكم به من الاستظلال بظل الرحمن يوم لا ظل إلا ظله.


الخطبة الثانية

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديهم واتبع سنتهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله أيها المسلمون، واعلموا أن من الناس، من أنعم الله عليه بشيء من المال، فما أنكر فضل الله عليه، بل هو ينفق بسخاء، ويتسلل إلى المساكين لواذا، يعلم أن من الفقراء من يحرجه علنية العطاء، فذاك رجل تخطى عقبة الجشع، أنقذه الله ممن عبدوا الدينار والدرهم، فكانوا أحلاس بخل وإمساك، سجاياهم المتكررة منع وهات، بل هات وهات، قد قضوا على أنفسهم أن يعيشوا مرضى بالصحة، فقراء بالغنى، مشغولين بالفراغ، لكنهم مع ذلك لا يجدون في المال معنى الغنى؛ إذ كم من غني يجد وكأنه لم يجد إلا عكس ما كان يجد، وما علموا قول النبي: ((اليد العليا خير من اليد السفلى)) متفق عليه[1][1].
إن النفس بطبعها، تميل إلى إبراز عملها، لاسيما الصدقة، كل هذا لتحمد؛ فإذا ما جاهد المرء نفسه، حق له أن يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ورحم الله مالك بن دينار؛ حيث يقول: (قولوا لمن لم يكن صادقا لا يتغنى) ولقد قال ابن عائشة، قال أبي: (سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين ).
عباد الله، ما أسعدها من لحظات، يجلسها المرء خاليا فيها مع نفسه، يناجي ربه وخالقه، فيهتن دمعه عذبا صافيا، خاليا من لوثة الرياء، وإن نيران المعاصي التي تأتي على قلب المسلم، فتحيله إلى فحم أسود كالكوز مجخيا، لا يطفئها إلا تلك الدموع، التي تنهمر على إثر ذكر الخالق وخشيته، ولقد كان ابن سيرين يضحك بالنهار، فإذا جن الليل فكأنه قتل أهل القرية من البكاء.
ولقد كان أيوب السختياني ربما حدث بالحديث، فيرق أي يبكي فيتمخط، ويقول: ما أشد الزكام! يظهر أنه مزكوم، لإخفاء البكاء، رجاء أن يكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله . وقام محمد بن المنكدر ذات ليلة فبكى، ثم اجتمع عليه أهله، ليستعلموا عن سبب بكائه، فاستعجم لسانه، فدعوا أبا حازم، فلما دخل هدأ بعض الشيء، فسأله عن سبب بكائه فقال: تلوت قول الله وَبَدَا لَهُمْ مّنَ ٱللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ[الزمر:47]. فبكى أبو حازم، وعاد محمد بن المنكدر إلى البكاء فقالوا: أتينا بك لتخفف عنه فزدته بكاء.
روى النسائي وأحمد من حديث عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله: ما النجاة ما النجاة؟ قال: ((أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك))[2][2].
فاتقوا الله ـ عباد الله ـ واعلموا أنه لابد من الخوف والبكاء، إما في زاوية التعبد والطاعة، أو في هاوية الطرد والإبعاد، فإما أن تحرق قلبك ـ أيها المسلم ـ بنار الدمع على التقصير، وإلا فاعلم أن نار جهنم أشد حرا فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ[التوبة:82]. فانظروا عباد الله إلى البكائين في الخلوات، قد نزلوا على شواطئ أنهار دموعهم، فلو سرتم عن هواكم خطوات لاحت لكم خيامهم ولسمعتم بكاءهم ونشيجهم، ولسان حالهم يقول:


نزف البكاءُ دموعَ عينك فَاسْتَعِرْ عيناً لغيرك دمعُها مدرار





من ذا يعيـرك عينَه تبكـي بها أرأيت عينا للدموع تُعار؟












  رد مع اقتباس
قديم 08-17-2008, 09:01 AM   #2
عضو مميز
افتراضي

أسأل الله أن ينفع بها الإسلام والمسلمين
وجزاك الله خير على إيراد هذه الخطبة .
  رد مع اقتباس
قديم 08-17-2008, 11:46 AM   #3
مدير الجمعية التنفيدي - مراقب عام
 
الصورة الرمزية طالع الهلالي
افتراضي

قال رسول الله: ((أيها الناس اسمعوا واعقلوا، واعلموا أن لله عز وجل عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم النبيون والشهداء، على منازلهم وقربهم من الله))، فجثا رجل من الأعراب من قاصية الناس، وألوى إلى النبي فقال: يا رسول الله: ناس من المؤمنين ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء على مجالسهم وقربهم؛ انعتهم لنا. فسر وجه رسول الله بسؤال الأعرابي فقال: ((هم ناس من أفناء الناس، ونوازع القبائل، لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابوا في الله وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم عليها، فيجعل وجوههم نورا، وثيابهم نورا، يفزع الناس يوم القيامة ولا يفزعون وهم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)) رواه أحمد

اسال الله رب العرش العظيم أن يجعلنا منهم كما اساله أن يجزي شيخنا خير الجزاء على هذه الخطبة .
وشكراً لموت حق على هذه الاضافة ولا حرمك اجرها
  رد مع اقتباس
قديم 08-17-2008, 03:51 PM   #4
الــمــوت حــق
افتراضي

ابو اسامة طالع

الله يجزيكم بالمثل
  رد مع اقتباس
قديم 08-18-2008, 07:57 PM   #5
مشرفة الدور النسائية - مشرفة منتدى الجمعية العام
افتراضي

اخي الكريم جعلها هذه الدرر في ميزان حسناتك
  رد مع اقتباس
قديم 08-18-2008, 08:05 PM   #6
الــمــوت حــق
افتراضي

الله امين اختي اهاااات
  رد مع اقتباس
قديم 08-18-2008, 08:06 PM   #7
الــمــوت حــق
افتراضي

من وصلها وصله الله


إبراهيم محمد الهلالي

15/7/1429هـ

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وأوجب صلة الأنساب وأعظم ذلك أجرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أعدها ليوم القيامة ذخرا، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أعظم الناس قدرا وأرفعهم ذكرا، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين قاموا بالحق وكانوا به أحرى، وعلى التابعين لهم بإحسان وسلم تسليما.
أيها الإخوة المؤمنون، في الإجازات والعطلات تتنوّع اهتمامات الناس، وتتعدّد مشاربهم، وتختلف وجهاتهم، فمنهم من ينشد الترويح البريء، ومنهم من يسعى إلى الاستمتاع المحرّم، وأفضل من هذا وذاك من يتقرب إلى الله بكل حركاته وتنقلاته، قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (إني أحتسب على الله نومتي كما أحتسب قومتي). فالموفق ـ عباد الله ـ من كانت له نية صالحة في كل عمل من أعماله ولو كان من المباحات.
ولما كان في الإجازات وفرة في الوقت ومسرح للتفكير في كيفية قضائها أحببنا أن نذكّر بأمر عظيم ونوع من العبادات كريم، به اكتساب رضا الرب ثمّ محبة الخلق، وهو علامة على كمال الإيمان وحسن الإسلام، ذلكم ـ يا رعاكم الله ـ هو صلة الأرحام.
صلة الرحم من العبادات الجليلة والأخلاق النبيلة التي حثّ عليها الإسلام وحذّر من قطيعتها، ولو لم يكن في الدين أمر بالصلة والبر للأرحام لكان في الطباع السليمة والأخلاق الكريمة ما يدلّ عليه، فكيف وهو من أول ما بعث به النبي ؟! فعن عمرو بن عبسة رضي الله عنه أنه سأل رسول الله : بأي شيء أرسلك الله؟ قال: ((أرسلني بصلة الأرحام وكسر الأوثان، وأن يوحَّد الله لا يشرك به شيء)) رواه مسلم.
إن أعظم ما يبعث على تعاهد الأرحام وصلتهم هو خوف الله وخشيته، وهذا لا يكون إلا عند أهل الإيمان، قال جل ذكره: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ [الرعد:21]، وفي الناس من تموت عواطفه وتضعف خشيته، فيجوب الأرض ولا يفكر في زيارة أقاربه أو السلام عليهم، قال عمرو بن دينار رحمه الله: "تعلَمُنّ أنه ما من خطوة بعد الفريضة أعظم أجرا من خطوة إلى ذي رحم"، وقال المرّوذي: أدخلتُ على أبي عبد الله أحمد بن حنبل رحمه الله فقال الرجل: لي قرابة بالمراغة ترى لي أن أرجع إلى الثغر أو ترى أن أذهب فأسلم عليهم؟ فقال له: استخِر الله واذهب فسلّم عليهم.
كما أن من الناس من يتغلب عليه شيطانه، فيقطع رحمه بسبب خلاف أقصى ما يُقال عنه: إنه ليس مستحيلَ الحل، ولكنها العزة بالإثم والمكابرة بالباطل. وفي استطلاع للرأي حول وجود خصومات بين الأقارب على عيّنة من الناس أجاب خمس وستون بالمائة منهم: نعم توجد خصومة، وأجاب خمس وثلاثون بالمائة بالنفي، فنحن أمام ظاهرة خطيرة، يقول النبي : ((لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)) متفق عليه، وقال رجل للنبي : إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ، فقال : ((لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم الملّ، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك)) رواه مسلم.
فما أجمل أن يتعالى المسلم على أحقاده، ويكون همه رضا مولاه، فلا جزاء لمن عصى الله فيك بأفضل من أن تطيع الله فيه.
وإن الذي بينـي وبين بني أبِي وبين بنـي عمـي لَمختلف جدّا
إذا أكلوا لحمي وفَرتُ لحومَهم وإن هدموا مَجدي بنيتُ لهم مجدًا
ولا أحْمل الْحقدَ القديم عليهمُ وليس زعيم القوم من يحمل الحقدَا
الله _ يا عباد الله _ يُبقي أثرَ واصلِ الرّحم طويلاً، فلا يضمحِلّ سريعًا كما يضمحِلّ أثر قاطعِ الرّحم، قال النبيّ : ((قال الله للرّحم: أما ترضينَ أن أصلَ من وصلك وأن أقطعَ من قطعك؟ قالت: بلى، قال: فذاك لك)) متفق عليه [8]، ((والرحمُ معلّقة بالعرش تقول: مَن وصلني [وصله الله]، ومن قطعني [قطعه الله])) [9].
صلةُ الرّحم تدفَع بإذن الله نوائبَ الدّهر، وترفع بأمرِ الله عن المرء البَلايا، لمّا نزل على المصطفى ?قْرَأْ بِ?سْمِ رَبّكَ ?لَّذِى خَلَقَ [العلق:1] رجع بها ترجِف بوادرُه حتّى دخل على خديجةَ فقال: ((زمِّلوني))، فأخبرَها الخبَر، وقال: ((قد خشيتُ على نفسِي))، فقالت له: كلاّ والله، لا يخزيكَ الله أبدًا؛ إنّك لتصلُ الرّحم، وتحمِل الكَلّ، وتكسِب المعدومَ، وتَقري الضّيف. رواه البخاري [10].
أمَرَ الله بالرّأفة بهم كما نرأَف بالمِسكين، قال عزّ وجلّ: وَءاتِ ذَا ?لْقُرْبَى? حَقَّهُ وَ?لْمِسْكِينَ وَ?بْنَ ?لسَّبِيلِ [الإسراء:26]. حقُّهم في البذلِ والعطاء مقدّمٌ على اليتامَى والفقراء، قال سبحانَه: يَسْـئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ فَلِلْو?لِدَيْنِ وَ?لأقْرَبِينَ وَ?لْيَتَـ?مَى? وَ?لْمَسَـ?كِينَ وَ?بْنِ ?لسَّبِيلِ [البقرة:215]. السخاءُ عليهم ثوابٌ مضاعفٌ من ربِّ العالمين، قال عليه الصّلاة والسّلام: ((الصدقةُ على المسكين صدقة، وعلى القريب صدقةٌ وصِلة)) رواه الترمذي [11]. وأوّلُ مَن يُعطَى مِن الصدقة هم الأقربون مِن ذوي المَسكنَة، تصدّق أبو طلحة رضي الله عنه ببستانِه، فقال له النبيّ : ((أرَى أن تجعلَها في الأقربين))، فقسمَها أبو طلحة على أقاربِه وبني عمّه. متفق عليه [12]. يقول عليّ رضي الله عنه: (لأن أصِل أخًا مِن إخواني بدِرهم أحبّ إليّ من أن أتصدّق بعشرين درهمًا) [13].
الباذلُ لها سخيُّ النّفس كريم الشّيَم، يقول الشعبيّ رحمه الله: "ما ماتَ ذو قرابةٍ لي وعليه دينٌ إلاّ وقضيتُ عنه دينه" [14].
الجارُ من ذوي الأرحام أخصُّ بالرّعاية والعنايةِ مِن غيره، قال سبحانه: وَ?لْجَارِ ذِى ?لْقُرْبَى? وَ?لْجَارِ ?لْجُنُبِ وَ?لصَّـ?حِبِ بِ?لجَنْبِ [النساء:36].
دعوتُهم وتوجيهُهم وإرشادهم ونُصحهم ألزمُ من غيرِهم، قال جلّ وعلا: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ?لأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]. وإكرامُ ذوي القراباتِ مأمور به على أن لا يكونَ في التّقديم بخسٌ لأحدٍ أو هضمٌ لآخرين، قال سبحانه: وَإِذَا قُلْتُمْ فَ?عْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى? [الأنعام:152].
في صلةِ الرّحم ثمراتٌ هي أسُسٌ في بِناء الحياة؛ محبّة الأهل، بَسط الرّزق، بركةُ العُمر، يقول : ((صِلة الرّحم محبّةٌ في الأهل، مثراة في المالِ، منسَأَة في الأثر)) رواه أحمد [15]، وعند البخاريّ ومسلم: ((من أحبَّ أن يُبسَط له في رزقه ويُنسَأ له في أثَره فليصِل رحمَه)) [16]، قال ابن التّين: "صلةُ الرّحم تكون سببًا للتوفيقِ والطاعة والصيانة عن المعصيةِ، فيبقى بعدَه الذكرُ الجميل فكأنّه لم يمُت" [17].
صِلتُها عبادةٌ جليلة مِن أخصِّ العبادات، يقول عمرو بن دينار: "ما مِن خطوة بعد الفريضةِ أعظمُ أجرًا من خطوةٍ إلى ذي الرّحم" [18]. ثوابُها معجَّل في الدنيا ونعيمٌ مدَّخرَ في الآخرة، قال : ((ليس شيء أُطِيع الله فيه أعْجَل ثوابًا من صِلةِ الرحم)) رواه البيهقيّ [19].
والقائمُ بحقوقِ ذوي القربَى موعودٌ بالجنّة، يقول عليه الصلاة والسلام: ((أهلُ الجنة ثلاثة: ذو سلطانٍ مُقسط، ورجلٌ رحيم رقيقُ القلب بكلّ ذي قُربى ومسلم، ورجلٌ غنيّ عفيف متصدِّق)) رواه مسلم [20].
بصلتِهم تقوَى المودَّة وتزيدُ المحبَّة وتتوثَّق عُرى القرابةِ وتزول العداوة والشّحناء، فيها التعارفُ والتواصلُ والشعور بالسّعادة.
صِلة الرّحم والإحسان للأقربين طرقُها ميسَّرة وأبوابها متعدِّدة، فمِن بشاشةٍ عند اللّقاء ولينٍ في المُعاملة، إلى طيبٍ في القول وطلاقةٍ في الوجه، زياراتٌ وصِلات، مشاركةٌ في الأفراح ومواساةٌ في الأتراح، وإحسان إلى المحتاج، وبذل للمعروف، نصحُهم والنّصح لهم، مساندةُ مكروبِهم وعيادة مريضهم، الصفحُ عن عثراتهم، وترك مضارّتهم. ولا يكن أهلُك أشقى الخلقِ بك، والمعنى الجامِع لذلك كلّه إيصالُ ما أمكَن من الخير، ودفعُ ما أمكنَ منَ الشرّ.
صلةُ الرّحم أمارةٌ على كَرَم النّفس وسَعَة الأفُق وطيبِ المنبَتِ وحُسن الوَفاء، ولهذا قيل: مَن لم يصلح لأهلِه لم يصلح لك، ومَن لم يذبّ عنهم لم يذبَّ عنك. يقدِم عليها أولو التّذكرة وأصحاب البصيرة، أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ ?لْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى? إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ?لألْبَـ?بِ [الرعد:19].
أيّها المسلمون، إنّ ذوي الرّحِم غيرُ معصومين، يتعرّضون للزّلَل، ويقَعون في الخَلل، وتصدُر منهم الهَفوة، ويقَعون في الكبيرة، فإن بَدَر منهم شيءٌ من ذلك فالزَم جانبَ العفوِ معهم، فإنَّ العفوَ من شِيَم المحسنين، وما زادَ الله عبدًا بعفو إلاّ عِزًّا، وقابِل إساءَتهم بالإحسان، واقبل عُذرَهم إذا أخطؤوا، لقد فعل إخوة يوسفَ مع يوسفَ ما فعلوا، وعندما اعتذروا قبِل عذرهم وصفَح عنهم الصفحَ الجميل، ولم يوبِّخهم، بل دعا لهم وسأل الله المغفرةَ لهم، قال: لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ ?لْيَوْمَ يَغْفِرُ ?للَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ?لرحِمِينَ [يوسف:92].
غُضَّ عن الهفواتِ، واعفُ عن الزّلاّت، وأقِلِ العثرات، تجنِ الودَّ والإخاء واللينَ والصفاء، وتتحقَّق فيك الشهامةُ والوفاء. داوِم على صِلة الرّحم ولو قطعوا، وبادِر بالمغفرة وإن أخطؤوا، وأحسِن إليهم وإن أساؤوا، ودَع عنك محاسبةَ الأقربين، ولا تجعَل عِتابَك لهم في قطعِ رحمِك منهم، وكُن جوادَ النّفس كريمَ العطاء، وجانب الشحَّ فإنّه من أسباب القطيعة، قال عليه الصلاة والسلام: ((إيّاكم والشّحَّ؛ فإنّ الشحّ أهلك من كان قبلكم؛ أمرهم بالبُخل فبخلوا، وأمرهم بالظّلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعةِ فقطعوا)) متفق عليه [21].
إنّ مقابلةَ الإحسانِ بالإحسان مكافأةٌ ومجازاة، ولكن الواصلَ من يَتفضَّل على صاحبِه، ولا يُتَفضّل عليه، قال عليه الصلاة والسلام: ((ليسَ الواصل بالمكافئ، ولكنّ الواصلَ مَن إذا قطعَت رحمُه وصَلها)) رواه البخاري [22]. قيل لعبد الله بن مُحَيريز: ما حقّ الرّحم؟ قال: "تُستَقبَل إذا أقبَلت، وتُتْبَع إذا أدبَرت" [23]، وجاء رجلٌ إلى النبيّ فقال: يا رسولَ الله، إنّ لي قرابةً أصِلهم ويقطعونني، وأُحسِن إليهم ويسيؤون إليّ، وأحلم عليهم ويجهَلون عليّ، فقال عليه الصلاة والسلام: ((لئن كان كما تقول فكأنّما تسِفُّهم المَلّ، ولا يزال معك من الله ظهير ما دمتَ على ذلك)) رواه مسلم [24].
وكلّ رحِم آتيةٌ يومَ القيامةِ أمامَ صاحبها، تشهَد له بصلةٍ إن كانَ وصلها، وعليه بقطيعةٍ إن كان قطعَها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَأُوْلُواْ ?لأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى? بِبَعْضٍ فِي كِتَـ?بِ ?للَّهِ إِنَّ ?للَّهَ بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ [الأنفال:75].
بارَك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإيّاكم بما فيه من الآيات والذّكر الحكيم، أقول ما تسمعون ... الخ




الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانِه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أنّ نبيّنا محمّدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه.
أمّا بعد: أيّها المسلمون، الروابطُ تزداد وُثوقًا بالرّحم، وقريبُك لا يَمَلّك على القرب ولا ينسَاك في البُعد، عِزّهُ عزٌّ لك، وذلّه ذلٌّ لك، ومعاداة الأقاربِ شرّ وبلاء، الرّابح فيها خاسِر، والمنتصِر مهزوم.
وقطيعة الرّحم مِن كبائر الذّنوب، متوَعَّد صاحبُها باللّعنةِ والثبور، قال تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُواْ فِى ?لأَرْضِ وَتُقَطّعُواْ أَرْحَامَكُمْ أَوْلَـئِكَ ?لَّذِينَ لَعَنَهُمُ ?للَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى? أَبْصَـ?رَهُمْ [محمد:22، 23]. التدابرُ بين ذوِي القربَى مؤذِنٌ بزوالِ النِّعمة وسوءِ العاقبةِ وتعجيل العقوبة، قال عليه الصلاة والسلام: ((لا يدخل الجنّةَ قاطع)) رواه البخاري [1]، قال ابن حجَر: "القاطعُ للرّحم منقطِعٌ مِن رحمة الله" [2].
عقوبتُها معجَّلة في الدّنيا قبلَ الآخرة، يقول النبيّ : ((ما مِن ذنبٍ أجدر أن يعجِّل الله لصاحبِه العقوبةَ في الدّنيا مع ما يدَّخره له في الآخرة من البغي ـ أي: الظلم ـ وقطيعة الرحم)) رواه الترمذي [3]. وهي سببٌ للذلّة والصّغار والضّعفِ والتفرّق، مجلبة للهمّ والغمّ.
قاطعُ الرّحم لا يثبُت على مؤاخاة، ولا يُرجَى منه وفاء، ولا صدقٌ في الإخاء، يشعر بقطيعةِ الله له، ملاحَقٌ بنظرات الاحتِقار مهما تلقَّى من مظاهِر التبجيل. لقد كان الصحابة رضي الله عنهم يستوحِشون مِن الجلوس مع قاطِع الرّحم، يقول أبو هريرة رضي الله عنه: (أحرِّج على كلِّ قاطعِ رحمٍ لَمَا قام من عندنا) [4]، وكان ابن مسعود رضي الله عنه جالسًا في حلقةٍ بعدَ الصبح فقال: (أنشد الله قاطعَ رحمٍ لَمَا قام عنَّا فإنّا نريدُ أن ندعوَ ربَّنا؛ وإنّ أبوابَ السماء مُرتَجَة ـ أي: مغلقة ـ دونَ قاطِع الرّحم) [5]. ومن كان بينه وبين رحمٍ له عداوة فليبادِر بالصّلة، وليعفُ وليصفح، فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ?للَّهِ [الشورى:40].
وإنّ لحسنِ الخُلُق تأثيرًا في الصّلة، والزَم جانبَ الأدَب مع ذوي القربَى، فإنّ مَن حفظ لسانَه أراح نفسَه. وللهديّة أثر في اجتلابِ المحبّة وإثباتِ المودّة وإذهاب الضغائن وتأليف القلوب، والرأيُ الذي يجمَع القلوبَ على المودّة كَفٌّ مبذول وبرّ جميل، وإذا أحسنتَ القولَ فأحسِن الفعل ليجتمعَ معك فصاحةُ اللّسان وثَمَرةُ الإحسان.
أيها الإخوة المؤمنون، إن خطر قطع الرحم عظيم، وذنبَها جسيم، وعقوبتها معجلة، واقرؤوا إن شئتم قول ربكم: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:22، 23]، ويقول النبي : ((ما من ذنب أجدر أن يُعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة مثل البغي وقطيعة الرحم)) رواه أبو داود والترمذي وهو حديث صحيح.
ثم اعلموا ـ يا عباد الله ـ أن الأرحام درجات، فأعظمها عمودي النسب، وهما الأم والأب ثم ما تفرّع عنهما، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول، من أحق الناس بحسن الصحبة؟ قال: ((أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك ثم أدناك أدناك)) رواه مسلم.
عباد الله، وإن من أعظمِ صوَر صلة الأرحام الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى، يقول الله تعالى لنبيه : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ [الشعراء:214]، وإنما خصهم الله بالذكر لتأكيد حقهم. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أتيت النبي وهو في قبة من أدمٍ حمراء في نحو من أربعين رجلاً فقال: ((إنه مفتوح لكم، وأنتم منصورون ومصيبون، فمن أدرك ذلك منكم فليتق الله وليأمر بالمعروف ولينه عن المنكر وليصل رحمه، ومثل الذي يعين قومه على غير الحق كمثل البعير يتردّى فهو يمدّ بذنبه)) رواه الحاكم وقال: "صحيح الإسناد" ووافقه الذهبي. فاتقوا الله وصلوا وسلموا ..... الخ
  رد مع اقتباس
قديم 08-20-2008, 06:29 PM   #8
مدير الجمعية التنفيدي - مراقب عام
 
الصورة الرمزية طالع الهلالي
افتراضي

جزاك الله خيراً

الموت حق

على هذا الموضوع الرائع وهو موضوع يستحق التثبيت
  رد مع اقتباس
قديم 08-21-2008, 05:09 AM   #9
الــمــوت حــق
افتراضي

الله يجزيك بالمثل اخي طالع
  رد مع اقتباس
قديم 08-22-2008, 02:10 PM   #10
خادم كتاب الله
افتراضي

الله يجزاك خير الموت حق


وجزاه الله خير ابو البراء ...


نسأل الله ان يحفظه الله لنا
  رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
خطبة الجمعة بعنوان:أضرار السهر طالع الهلالي منتدى الشريعة والحياة 3 12-19-2011 04:08 PM
الفاروق .. أنموذج في قوة الشخصية اهااات الحربي منتدى الملتقى المفتوح 8 12-13-2011 04:08 PM
صدور الموافقة على مكتب الدعوة بالبرك سليمان الدرهمي منتدى الملتقى المفتوح 5 06-06-2009 11:51 PM
حفل الزواج الجماعي بالبرك طالب العلم منتدى الملتقى المفتوح 4 11-26-2008 12:23 PM
كيف نستفيد من يوم الجمعة .....؟ سليمان الدرهمي منتدى الشريعة والحياة 6 11-03-2008 05:31 AM


الساعة الآن 06:54 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi

الراعي الإعلامي لموقع التحفيظ  العبير