• ×
الأحد 3 يوليو 2022 | 24-06-2022
الأذكار
×

القرآن صمام الأمان (3)

0
0
1068
 إذا كان تحقيق الأمن مصلحة ضرورية لا يستغني عنه فرد أو مجتمع، وكان الإسهام في تحقيقه ـ كما سبق ـ واجباً محتماً على كل فرد ومؤسسة حكومية أو أهلية؛ فإن لجمعيات تحفيظ القرآن الكريم وحلقاتها المباركة أثراً كبيراً، ومشاركة فاعلة في تحقيقه، ويتضح ذلك من خلال الآتي:
أولاً: أثر جمعيات تحفيظ القرآن الكريم في تقوية الإيمان وإسعاد الإنسان.
ثانياً: أثر جمعيات تحفيظ القرآن الكريم في تربية الوازع الديني والرقابة الذاتية.
ثالثاً: أثر جمعيات تحفيظ القرآن الكريم في نشر العلم العاصم من الضلال والإجرام.
رابعاً: أثر جمعيات تحفيظ القرآن الكريم في إعداد الشباب وتأهيلهم.
وسأبين في هذا المقال الأثر الأول، وهو "أثر جمعيات تحفيظ القرآن الكريم في تقوية الإيمان وإسعاد الإنسان":
العناية بكتاب الله - تعالى -تعلماً وتعليماً، وتلاوة وتجويداً، وحفظاً ومدارسة، وحثاً على العمل به والتخلق بأخلاقه ـ وهو ما تقوم به جمعيات وحلقات تحفيظ القرآن الكريم ـ من أعظم ما يقوي الإيمان، ويزيد في التقوى، ويقرب العبد من خالقه، فأهل القرآن هم أهل الله وخاصته، وأولاهم بفضله ورحمته، وحفظه ورعايته، ونصره وإعانته، وتوفيقه وهدايته، فهم أقرب الناس إلى الله، وأطيبهم عيشاً، وأسعدهم قلوباً، وأهنؤهم حياة، وأحسنهم عاقبة.
وكلما كان الإنسان أكثر إيماناً كان أكثر سعادة وأمناً وطمأنينة، فالسعادة مربوطة بالإيمان توجد بوجوده، وتفقد بفقده، وتزيد بزيادته، وتنقص بنقصه.
قال الله - تعالى -: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) [الأنعام: 82]، فضمن الله - تعالى -لمن آمن به حق الإيمان تمام الأمن والهداية في الدنيا والآخرة، أمن من سخط الله وعقابه، وأمن من جميع المكاره والشرور. [1]
قال العلماء: فمن لم يلبس إيمانه بظلم، أي: بشرك ولا معصية، كان لهم الأمن التام، والهداية التامة، ومن لم يلبس إيمانه بشرك لكنه يعمل السيئات فإنه وإن حصل له أصل الأمن والهداية لم يحصل له تمامهما، بل ينقص من أمنه وسعادته وهدايته بقدر معصيته ومخالته لأمر ربه. [2]
ويقول - سبحانه وتعالى -: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) [النور: 55].
فهذا وعد الله للذين آمنوا وعملوا الصالحات: أن يستخلفهم في الأرض وأن يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وأن يبدلهم من بعد خوفهم أمنا، وقد تحقق هذا الوعد - ولن يخلف الله وعده - يوم أن كان المسلمون قائمين بهذا الشرط (يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا)، ولن يزال هذا الوعد قائما ما وجد هذا الشرط، فهو مرهون به، يوجد بوجوده، ويفقد بفقده، وما من مرة سارت هذه الأمة على نهج الله، وحكّمت هذا النهج في الحياة، وارتضته في كل أمورها إلا تحقق لها وعد الله بالاستخلاف والتمكين والأمن، وما من مرة خالفت عن هذا النهج أو قصرت في القيام به إلا تخلّفت في ذيل القافلة، وأصبحت تابعة ذليلة لأعدائها، واستبد بها الخوف وتخطفها الأعداء، ألا وإن وعد الله قائم، ألا وإن شرط الله معروف، فمن شاء الوعد فليقم بالشرط، ومن أوفى بعهده من الله. [3]
وقال - عز وجل (فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة: 38]. أي: فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر دنياهم وآخرتهم، (ولا هم يحزنون) على ما فاتهم ومضى عليهم من أمور الدنيا. [4]
قال أبو السعود: "والمعنى: أن من تبع هداي منكم فلا خوف عليهم في الدارين من لحوق مكروه، ولا هم يحزنون من فوات مطلوب، أي: لا يعتريهم ما يوجب ذلك" [5]
ونظير هذه الآية قوله - تعالى (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) [طه: 123]. فقد تكفل الله - عز وجل - لمن اتبع هداه، واستجاب لأمره، والتزم بشرعه، ألا يضل في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يشقى فيهما، فله الهداية التامة، وله السعادة والأمن في الدنيا والآخرة. [6]
كما ضمن له في الآية السابقة: أن يدفع عنه الخوف فيما يستقبله من أمر دنياه وآخرته، ويدفع عنه الحزن على ما فاته وجرى عليه، وبهذا يتحقق له ما يصبو إليه من الأمن والطمأنينة، والهدى والسعادة، في معاشه ومعاده.
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "فرتب على اتباع هداه أربعة أشياء: نفي الخوف والحزن، والفرق بينهما: أن المكروه إن كان قد مضى، أحدث الحزن، وإن كان منتظرا، أحدث الخوف، فنفاهما عمّن اتبع الهدى، وإذا انتفيا ثبت ضدهما، وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه حصل له الأمن، والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى، وانتفى عنه كل مكروه من الخوف، والحزن، والضلال، والشقاء، فحصل له المرغوب، واندفع عنه المرهوب، وهذا عكس من لم يتبع هداه، فكفر به وكذب بآياته"[7]
وقال - سبحانه وتعالى - مؤكدا هذه الحقيقة العظيمة، وهي أن السعادة الحقيقية، والأمن والطمأنينة في الدنيا والآخرة، إنما هي للمؤمنين فقط: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [النحل: 97].
فمن كان هذا حاله من الإيمان والعمل الصالح فجزاؤه في الدنيا: أن يحيا حياة طيبة، آمنة مستقرة، كريمة ندية، حتى وإن أصابه من النوائب والمصائب ما أصابه، فإن سعادته في قلبه، وروحه مطمئنة بذكر ربه، كما قال - تعالى -: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28].
وقد عجب النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمر المؤمن، وأن أمره كله له خير، حتى في حال البلاء والضراء، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له)) [8]
كما بين - صلى الله عليه وسلم - أن الفلاح الحقيقي في الدنيا والآخرة، إنما هو لمن أسلم لله - تعالى - واتبع هداه، فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنّعه الله بما آتاه)) [9].
فمتى تمسك الناس بهذه الشريعة، وحفظوا مقاصدها تحقق لهم ما يصبون إليه من الأمن والطمأنينة والاستقرار، ليس في الدنيا فقط، بل في الدنيا والآخرة.
أما من أعرض عن الله، وأهمل شريعته، وطلب الهدى من غيره، واتبع منهجا غير منهجه، فإن حظّه في معاشه ومعاده هو الخوف والشقاء، والهموم والأحزان، والضيق والحرج، كما قال ربنا - عز وجل -: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) [طه: 124-127].
والضنك، هو: الضيق والشقاء والشدة، والمتأمل لهذه الكلمة يجد لها جرسا غريبا، وإيحاء عجيبا، حيث تصور هذا البائس وكأن أنفاسه تختنق في داخله، من شدة الضيق والحرج الذي يتلجلج في صدره، وكأن الخوف والشقاء يحاصرانه حيثما حل وارتحل، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، ولا لذة لعيشه، بل صدره ضيّق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن ما شاء فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى لا يزال في قلق وحيرة وشك. [10]
هذا هو حال الفرد حين يعرض عن ذكر الله، أما إذا كان المجتمع كله على هذه الحال من الإعراض عن الهدى، ونسيان الشرع؛ فإنه بذلك يستجلب غضب الله، ويكون عرضة لأنواع الخسف والهوان، والمسخ والإذلال، والخوف والقلق، والضيق والضنك، وهذه سنة الله مع كل من كفر به ورضي منهجا غير منهجه.
وقد ضرب الله لنا مثلا بتلك القرية الآمنة الوادعة، وكيف تبدلت حالها بعد أن كفرت بأنعم الله، يقول الله - تعالى -: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) [النحل: 112].
فلما لم تشكر نعمة الله عليها بالأمن والطمأنينة، ورغد العيش، أحلّ الله عليها غضبه وعقابه، فأبدلها بالأمن خوفا ورعبا، وبالطمأنينة قلقا واضطرابا، وبالرزق جوعا وفقرا، وما ربك بظلام للعبيد.
وهاهم أصحاب الحجر، كانوا في نعمة سابغة، وقوة بالغة، وحضارة باسقة، وأمن وارف، فلما كذّبوا الرسل، واستكبروا عن قبول الحق، وعتوا عن أمر ربهم، حلّت عليهم نقمة الله، (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ* فَمَا اسْتَطَاعُوا مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ) [الذاريات: 44-45]، فزالت نعمتهم، وانقشع أمنهم، كما قال - تعالى (وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ * وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ *وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ * فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) [الحجر: 80-84].
وقد أكد ربنا هذه السنة الشرعية في أكثر من آية، فقال - تعالى -: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ) [الأعراف: 96].
وقال - عز وجل - محذرا من الأمن من مكره، مع مخالفة أمره وانتهاك محارمه: (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ* أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) [الأعراف: 97-99]. أي: ما كان ينبغي لهم أن يأمنوا وهم مقيمون على معاصيه، جاحدون لنعمته، معرضون عن شريعته.
فالأمن في الدنيا والآخرة إنما هو للمؤمنين، والمؤمنين وحدهم، أما أعداء الله والخارجون عن طاعته، فكيف يأمنون وقد حاربوا الله؟ وكيف يطمئنون وقد شاقوا الله ولجوا في معصيته؟ وكيف يسعدون وقد تعرضوا لسخطه ونقمته؟
ولقد قرر هذه الحقيقة العظيمة، بكل وضوح وجزم إبراهيم الخليل - عليه الصلاة والسلام - حين حاجه قومه، وهددوه بغضب آلهتهم عليه، وأنها ستبطش به إن هو أصر على دعوته، فأجابهم - عليه الصلاة والسلام - إجابة الواثق بإيمانه، العارف بربه، وواجههم بالحقيقة الدامغة، والحجة البالغة، كما في قوله - تعالى -: (وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) [الأنعام: 80-82].
ومن خلال ما سبق يتبين لنا الارتباط الوثيق بين مصطلحي "الأمن والإيمان"، وتظهر لنا الصلة القوية بينهما، سواء من حيث الدلالة اللفظية - فإن الإيمان مأخوذ من الفعل الثلاثي "أمن" الذي هو أصل مصطلح "الأمن"، فأصلهما إذاً واحد - أو من حيث الدلالة المعنوية، فإن الأمن ثمرة للإيمان ونتيجة له، فإذا فقد الإيمان فلا أمان، ولما سئل الخليل بن أحمد: ما الإيمان؟ قال: هو الطمأنينة[11]، ففسر الإيمان بالطمأنينة التي هي من لوازمه وثمراته.
ويظهر هذا الترابط الوثيق - أيضا - بين مصطلحي "السّلم" و "الإسلام"، فإن العلاقة بينهما هي نفس العلاقة بين الأمن والإيمان، من حيث اللفظ[12]، ومن حيث المعنى، وقد عبر القرآن الكريم عن الإسلام بلفظ السلم، مما يؤكد هذه العلاقة، ويدل على عمق الصلة بين هذين اللفظين، وذلك في قوله - تعالى (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [البقرة: 208]، فقد أمر الله عباده المؤمنين أن يدخلوا في الإسلام كله، وأن يأخذوا بجميع عراه وشرائعه، ويعملوا بجميع أوامره ونواهيه. [13]
والمسلم حين يستجيب هذه الاستجابة يدخل في عالم كله سلم وكله سلام، عالم كله ثقة واطمئنان، وكله رضى واستقرار، لا حيرة ولا قلق، ولا شرود ولا ضلال، سلام مع النفس والضمير، سلام مع العقل والمنطق، سلام مع الناس والأحياء، سلام مع الوجود كله ومع كل موجود، سلام يرف في حنايا السريرة، وسلام يظلل الحياة والمجتمع، سلام في الأرض وسلام في السماء، ولا يدرك معنى هذا السلم حق إدراكه من لا يعلم كيف تستبد الحيرة، وكيف يعربد القلق في النفوس التي لم تستظل بظلال الإيمان، ولم تعرف الإسلام، أو عرفته وتنكرت له، هذه النفوس الشقية الحائرة على الرغم من كل ما قد يتوافر لها من الرخاء المادي، والتقدم الحضاري، وأسباب الراحة والترفيه. [14]، وللحديث صلة بإذن الله.
.
[1] انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 3/288، والتوضيح والبيان لشجرة الإيمان، ضمن المجموعة الكاملة لمؤلفات السعدي 3/130، وأيسر التفاسير لكلام العلي القدير، لأبي بكر الجزائري 1/627.
[2] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 2/39.
[3] انظر: في ظلال القرآن 4/2530.
[4] انظر: تفسير القرآن العظيم 1/117.
[5] إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم 1/161.
[6] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 3/257.
[7] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان 1/54.
[8] رواه مسلم في (كتاب الزهد والرقائق، باب المؤمن أمره كله خير، حديث رقم: 2999، 4/2295).
[9] رواه مسلم في (كتاب الزكاة، باب في الكفاف والقناعة، حديث رقم: 1054، 2/730) - والترمذي في (كتاب الزهد، باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه، حديث رقم: 2348، 4/576).
[10] انظر: تفسير القرآن العظيم 5/316. وقد ذكر - رحمه الله - آثارا كثيرة تدل على أن المعيشة الضنك ليست خاصة في الدنيا، بل هي عامة في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، وجاء في تفسير السعدي 3/258: "وبعض المفسرين يرى أن المعيشة الضنك عامة في دار الدنيا، بما يصيب المعرض عن ذكر ربه من الهموم والغموم والآلام، التي هي عذاب معجل، وفي دار البرزخ، وفي الدار الآخرة، لإطلاق المعيشة الضنك وعدم تقييدها".
[11] تهذيب اللغة 15/515، ولسان العرب 13/24.
[12] انظر: معجم مقاييس اللغة 3/90، والمصباح المنير 1/286-287، والمعجم الوسيط 1/446.
[13] انظر: تفسير القرآن العظيم 1/361.
[14] انظر:في ظلال القرآن 1/207-211.